لڪَي ٺٺمڪَن من آلمشآرڪَة معنآ عليڪَ آلٺسجيل من هنآ

يمنع وضع الصور النسائية والأغاني والنغمات

http://www.x2z2.com/up/uploads/13328416481.png

الإهداءات

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: موقع حراج خدمة (آخر رد :عمر تاج الدين)       :: عمليات التنحيف (آخر رد :ضياء الروح)       :: عمليات التنحيف (آخر رد :عمر تاج الدين)       :: طريقة طهي السمك فى القلاية الكهربائية (آخر رد :داليا علام)       :: زوجة الاب جنه او جحيم | التاريخ الاسود لزوجات الاب (آخر رد :essroo)       :: كيو سليم اقوى منتج تخسيس (آخر رد :جنى ميرو)       :: قانون الجذب والتخاطر - كتب تنمية بشرية (آخر رد :essroo)       :: خرافة الأبراج وعلم التنجيم | علم الفلك (آخر رد :essroo)       :: تنبؤات ادجار كايس - إدغار كايس عراف أم رجل خارق (آخر رد :essroo)       :: خرافة وصدمة الاسد ليس ملك الغابة | حيوانات الغابة (آخر رد :essroo)      


 
العودة   منتديات شمس الحب > «®™§¤§ منتديات شمس الحب الأدبية §¤§™®» > قصص - روايات - حكايات
 

قصص - روايات - حكايات لطرح القصص والروايات الخيالية و الحقيقه و الكتابات الخاصة " ذات العبرة و الفائدة ", القصص والروايات قصص واقعية و روايات - قصص واقعية، قصص عربية، قصص أطفال، قصص حب، قصص غراميه، قصة قصيره، قصة طويلة قصص روايات ادربيه طويله قصص واقعيه قصص روايات قصص حب قصص رومانسيه روايات رومنسيه قصص واقعيه قصص و روايات حب ,

 
 
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /05-01-2008, 06:40 PM   #1

 
محبوب مؤسس


الصورة الرمزية mada_5005

mada_5005 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 199
 تاريخ التسجيل : 22 - 3 - 2008
 المشاركات : 570

افتراضي أول حـب… آخر حـب ـــ

أنا : mada_5005





إنه أيار. شهر يخصّ ميلاد جينا، ربما أصبحت في الثلاثين من عمرها، هيئتها توحي بذلك، ربما كانت أصغر، لكنّها لن تفصح عن الحقيقة .

خلا المكان من الزوار، عدا زميلاتها اللواتي ينتظرنها بفارغ الصبر، وعدا بعض الزبائن المتفرقين. شاب وفتاة يحتسيان البيرة. شاب آخر يتغزّل بفتاة تجالسه، وشاب بشعر طويل ولحية مبعثرة يستند إلى البار، تسمّرت نظراته على صدر جينا المكشوف. لم تبتسم. كانت على عجل، وإن كانت ترغب بزيادة (البخشيش) الذي تقبضه بعد انتهاء وصلتها في العمل كل مساء .‏

ضحكت ميكي بصوت عال. ترنّح الشاب ذو اللحية. رفع كأسه نحوها وصرف لها ثمن الكأس. نظرت إلى ساعتها وهي تتأفف ضاحكة. تمايلت بثوبها القصير والضيّق جداً. كان في وجهها مسحة جمال، ملأته عيناها الواسعتان والناعستان معاً، كان لها رموش طويلة، تنساب بتكاسل مع كل إغماضة، وشفتان ممتلئتان. كانت مكتنزة بعض الشيء ومغرية أيضاً.‏

تعوّدت جينا وميكي وساندي وتينا، الاحتفال بأعياد ميلادهنّ كل عام. هذا حقّ لهن، فهن يعملن لقاء يوم يرفّهن فيه عن أنفسهن، وفي كل اتفاق تتكرّر الشروط، فتحمل المشروبات الخاصّة. يشتركن بدفع إيجار سيارة الليموزين، التي ستقلّهن عبر بارات توليدو وديترويت التي تبعد مسافة ساعة أو أكثر عن البلدة، ويأتي أهم الشروط، وهو انعدام الرحلة من الرجال عدا السائق. تأتي الموافقة بالإجماع. تحاول ساندي المزاح وتتمنى أن يكون السائق مثيراً. تعلّق تينا بقضاء الليل في الليموزين. يضحكن. تشير ميكي إلى الميروانا التي تتعاطاها ساندي. تبادلت النساء الأربع النظرات. رفعت ميكي الكأس تحتسي آخر جرعة، واتجهت نحو البار. كانت ساندي تراقبها بوجهها الطفولي البريء، وشعرها الناعم المعقوص إلى الوراء. لم يكن جسدها متناسقاً، إنها سمينة عند الردفين والفخذين بشكل ملحوظ، ولسبب ما اتجهت نحو الشاب المنسجم مع صديقته. جلست القرفصاء وهي تقول بدلع:‏

- اسمي ساندي! وأنت ما اسمك؟‏

- تشان!‏

- سنقوم بجولة على البارات! هل تذهب معنا؟‏

راح ينظر إلى صديقته، ثم إلى الساعة في يده. بدا متأسّياً وهو يتذكّر أمراً هاماً. قال:‏

- لدي ارتباط .. إني آسف .‏

حدّجتها جينا وميكي وتينا، وبعد قليل اجتمعن عند مدخل البار، وعدن للعظة من جديد. خلال ذلك ألقت كل منهن نظرة على أمورها. انهمكت جينا بالنظر إلى بنطالها القصير، ثم إلى رقعة الصدر المتدرّجة نحو الظهر. مسحت بطنها بكفّها. راقبت ثدييها. بدت راضية وهي تمسّد شعرها البني الطويل، وتلقي به إلى الوراء، وتراقب الشقراء ميكي التي شغلها تدوّر وركيها. كانت تشدّ بباطن كفّها على مؤّخرتها التي برزت تحت الثوب المشدود. كنّ راضيات وانطلقن نحو السيارة التي تنتظر في الخارج.‏

كانت تينا على غير عادتها ببنطال طويل وسترة فضفاضة، وكأنها قد ملّت تلك الرحلات، لم تعلّق بكلمة، لكنها بدت وكأنها تحاول اكتشاف العالم من حولها .‏

أملين في الليموزين على السائق أسماء البارات التي يرغبن بزيارتها. بدون مهذّبات جداً، ثم انطلقن بثرثرة ابتدأت بالحديث عن الأبناء، وكيف غادرن البيوت. جميل ألاّ يكن مرتبطات، وجميل أن يكون لهن أبناء. علّقت ميكي على فرصتها الذهبية بزواجها من العربي. قاطعتها ساندي التي تمر بظروف مشابهة. للجنسية الأمريكية ثمن. سيستنزفان ما في جيوبهما ريثما يحين موعد الطلاق. هؤلاء الشباب كالدجاجة التي تبيض ذهباً. ضحكن. إنه زواج الإكراه والمقايضة. تدخّلت جينا لائمة ملاحظاتهما، فعلاقتها بالعربي أهم ممّا تعتقدان. فتحت حقيبتها. أخرجت زجاجة خمر. أفرغت منها في جوفها، وتساءلت ببساطة:‏

- ألم تجلبن خموركن‏

فتحت كل من ميكي وتينا حقيبتها. كانت ساندي تشير بأنها ستشرب في أول بار يزرنه. أصرّت جينا على مشاركة الجميع لها، وابتدأت الرحلة بالضحك، فكان للسائق نصيب من الاهتمام. اقتربت جينا تسأله المشاركة. أبدى اعتذاره بأدب. تغامزن عليه، فهو يحسب لدوريات الأمن المنتشرة في شوارع الليل ألف حساب، وعلّقت تينا بأن تجربة سائق متمرّس تمنحه حصانة أمام المغريات. كانت ساندي مستلقية. نظرن إليها غامزات. أليس مثيراً؟ هزّت كتفيها متجاهلة، ورمتهن بنظرة ثقة، فلها المقدرة على إغوائه، لكنها لن تفعل .‏

توقّفت السيارة واستعددن للخروج. أحنت جينا رأسها وفكّرت أن الأمر يستوجب حالة من السكر. ترنّحت وهي تهبط، وخلفها الثلاثة واتجهن نحو مدخل البار، بثيابهن القليلة، وصنادلهن المذهّبة. كانت ساندي تمشي بتثاقل وقد ورد على فمها ذكر ابنها الذي تحبه. نهرتها ميكي، فابنها يماثله في العمر، ودار على عجل حوار قصير، حول الغيرة التي جعلت إحداهن تسارع بالحمل أسوة بالأخرى. أنكرت هذه، فالمصادفة لعبت دورها. تدخّلت تينا بالحديث، ولمّحت إلى المرأة الطيبة التي ترعى الطفلين معاً.‏

كان البار يصخب بالزوار. ضاجّاً بالحركة وبأصوات الكؤوس، وعلب البيرة الفارغة، وموسيقى الجاز تخرج من كل مكان. تحرّكت النساء الأربع على عجل. جلست تينا وساندي أمام البار. أسرعت العاملة تلبي النداء. أحضرت مشروباً لكل منهما، وأخذتا تحتسيان بصمت. كانت تينا أثناء ذلك تراقب كل شيء، خاصة جينا وميكي اللتين ما فتئتا تعبران بين المناضد، وكأنهما تبحثان عن شيء ما، إلى أن جلستا أخيراً، وأشارت كل منهما إلى العاملة بإحضار مشروبها الخاص.‏

لم يطل الوقت حين لمحت تينا كلاً من ميكي وجينا، وقد خلعتا صندليهما، وراحتا في وصلة من رقص. ضحكت في البداية، وحين همّت جينا بخلع حمّالة صدرها، أخذت ساندي من يدها، وراحتا إليهما. شدّت كلاً منهما بذراع. كان منظر الأربعة مثيراً للضحك، وقد لوّحت جينا بصندلها، وهي تجري حافية.‏

في غرفة الليموزين استعادت تينا شروط الرحلة. هذا يوم خاص بهن. عليهن الاستمتاع بكل دقيقة بعيداً عن الإثارة ولفت الأنظار. علّقت ساندي وهي تشفق على تينا، فهذا يوم يخصّها، لكنها لاتعلم كم أصبح عمرها. أسكتتها جينا وهي تغب من زجاجة الخمر. انزوت، وأخرجت من حقيبتها لفافة جاهزة، وأخذت تبحث عن عود ثقاب.‏

مر الوقت بسرعة. كانت جينا أثناء ذلك تضحك بهيستيرية، وكأن فكرة ما قد طرأت إلى ذهنها. رمقت السائق الذي كان هادئاً. مدّت له لسانها. تجاهلها. لكزته بكتفه. أشاح. اغتاظت، وخلال ومضة، خلعت حمّالة صدرها. برز نهداها، وارتمت عليه بكل ثقلها، أبعد كتفيه وقد ندّت عنه ابتسامة، وبين الهرج والضحك، أصرّت على إغوائه، فأبرزت له مؤخّرتها، تلك اللحظة أشاح بذهول. تمتمت ساندي وهي غارقة في الضحك، لقد اكتشفت ان سائقي الليموزين مخصيّون، وعادت إلى علبة الدخان، أشعلت لفافة، وبنشوة راحت تتأمل الدخان المتصاعد.‏

فتح باب السيارة. سقطت النساء الأربع. توجّهن نحو البار. ترنّحت جينا. تمايلت. اصطدمت عند الباب بشاب أشقر اللون. عانقته، وشدّته نحوها. حاول التهرّب. مرّت بشفتيها فوق وجهه. ضحك وكأنه يحاول الاختيار بينها وبين الفتاة التي ترافقه، والتي صفعته فوق مؤخّرته وهي تغادر لا تلوي على شيء. اصطدمت بساندي التي كانت تعود أدراجها نحو الليموزبن لترتمي في أرضها دون حراك.‏

ذهبت كلمات تينا أدراج الرياح. كانت ساندي صمّاء وهي تسوق الشاب نحو السيارة، بين الاحتجاج واللوم. أصبح الجميع داخل السيارة مع الشاب الذي بدا مفتوناً. مساقاً. مسلوباً. رفعت ساندي أثناء ذلك رأسها. تمتمت أنها تحب ابنها وأغمضت. تحرّك السائق الذي تأفف مستاء، ونظر إلى الساعة. كانت جينا أثناء ذلك قد قرّرت ممارسة الجنس أمام الجميع .‏

همست ميكي لتينا شيئاً. غرقتا في الضحك. كانت جينا في أوقات سابقة تحدّثهما عن شذوذها، الذي أوصلها إليه زوجها السابق (كاظم) الذي تصفه بالسادي، وإنها لا تعرف المتعة إن لم تضرب بوحشية .‏

كان الشاب أثناء ذلك مطواعاً بين يدي جينا. سقطا في أرض الليموزين. نهضا. تمايلت السيارة. كان الشاب يعانق جينا المنتشية والتي ابتعدت عنه فجأة. صرخت في السائق أن يقف. توقف. فتحت الباب. رمت الشاب خارجاً. أغلقت الباب، وصرخت في السائق أن يمضي، وهي تغني أغنية خاصة بأعياد الميلاد.‏

أصرّت تينا على العودة، وحين لبّى الجميع رغبتها، كان موعد إغلاق البارات قد اقترب، لكن جينا التي تحتفل بيوم هام في حياتها. خطر لها في طريق العودة أن تعلن عن مسابقة هامة، تتمّ بينهن هنّ الثلاثة، على اعتبار أن ساندي التي تحب ابنها، هي في إغفاءتها الطويلة. تلك اللحظة تساءلت تينا عن أبناء جينا، فأسكتتها هذه لأنها لا تحب التذكّر، وتابعت شروط المسابقة، وهي تتساءل .. من منهن تستطيع أن تبول في الزجاجة الفارغة، عبر عنقها الضيّق ؟ كانت تينا وميكي تضحكان وقد أبتا المشاركة، مما اضطر جينا لإتمام الشروط. وقفت وهي تحضن عنق الزجاجة بكفّها وتصرخ .. أنا الرابحة.. العيد لي، وبالت في الزجاجة .‏

في الصباح الباكر. كانت سيارة الليموزين تبصق النساء الأربع في مدينة توليدو، وكان السائق يتنفّس الصعداء .‏

وقفت هند تداعب حفيدتها :‏

طيّـارة طـارت بالليـل فيهـا عسـكر، فيها خيـل .‏

فيهــا ابراهيم هنــانو راكب على ظهـر حصـانو‏

شعرت ببهجة. ضحكت عالياً. حضنت الطفلة. دارت بها. قبّلتها. أجلستها في حضنها، وراحت تعيد الغناء. اقتربت لين مبتسمة :‏

- صوتك عال يا أماه .‏

- إنه صوت ابنتك .. هي تقمّصت بي .‏

بدا كل شيء جميلاً. الحديقة على اتساعها، بخضرتها، وبعض الأشجار العالية والمتفرّقة، وبين الحشائش الممتدة نبتت أزهار مختلفة الألوان، وقد عرّشت على السور داليات العنب . هبطت الطفلة من حضن جدّتها، فأشارت هند لها قائلة :‏

- اقطفي لي زهرة يا فالن ‍.‏

مشت فالن بخطواتها المرتبكة، وبأصابعها البضّة قطفت زهرة، وعادت إلى الجدة. ذهلت لين. صرخت بزهو :‏

- إنها تفهم العربية جيداً .. الفضل لك يا أمي.‏

ضمّت أمها بحنان. أخذت الصغيرة بيدها، ودلفت إلى المنزل المقابل، حيث تسكن هند.‏

منذ سنوات لم تشعر هند بهذا الأمان. راحت تتمشّى في الحديقة. تمدّ بصرها في المكان المتّسع. شعرت بالسعادة. هاهي تستعيد مكانتها ثانية. تبدّل وضعها الآن. مرت أعوام ثلاثة، فقدت فيها الزوج والبيت والعمل. جرّدها الطلاق من الحلم والأمل، وعبث بها التشاؤم طويلاً، وقرّرت الانتقال إلى بيت ابنتها لين، المرتبطة بشاب يقطن في لاس فيغاس. ترتّب عليها خلال ذلك التخلّي عما يربطها في توليدو. شغلتها (شيبا) الكلبة الجميلة، والقطة (تاشا). غير أن إحدى الصديقات تكفّلت بهما ريثما تعود. باعت البيت الذي تملكه في توليدو، لتسدّد أقساط البيت الجديد في لاس فيغاس، والذي يفوق ثمنه أضعاف ما بحوزتها، فرزحت تحت أقساط جديدة للمصرف.‏

أما المطعم الذي كانت تستثمره فلم يرغب أحد به لسوء حالته، التي كان سببها أكثر من عامل، كان يأتيها اعتقاد بأن الزوج الذي تورّط بأوهامه فترة من الزمن، سخّر ذكاءه - الذي عرف به - لتخريب المطعم، كأن تتعطّل الأجهزة فجأة، أو تتفجّر أنابيب المياه، أو حين يكتشف زوار المطعم أشرطة تسجيل، وزعت في أماكن خاصة لالتقاط ما يدور من أحاديث حين يغيب .‏

أرهقها التعب والتفكير آنذاك. حدث هذا قبل الطلاق. كانت تشعر بالإهانة والذل، وكانت عاجزة عن ردّ ما ألحق بها، وكانت ضعيفة باستمرار، واهنة، تذكر جيداً جابي المياه، الذي يشبه أباها، وقد أتى ذات صباح، يحمل رقماً مخيفاً، وعليها تسديده خلال أيام . كانت جمانا تستمع إلى الحوار، وتدرك أن من المستحيل تأمينه، طالبته بالتريّث، اعتذر بأدب، فالموضوع لا يتعلّق به، وكانت هند خلال ذلك تستعيد تفاصيل المرض عند أبيها. والعمل الجراحي الذي أعاق عنده الصوت. إنه في عمر أبيها حين رحل. يشبهه بصوته، وبطريقته في الحديث، تراكمت الأحزان عندها، والشعور بالعجز أمام المبلغ المطلوب. أجهشت بالبكاء، وهي تلعن اليوم الذي وطأت قدمها هذه البلاد، شتمت جميع من تعرفهم، أو لها صلة معهم، وكانت تنعت زوجها بالشتائم، وكانت جمانا في ذهول، فقد انهارت هند في الأخير، بينما غادر الرجل الذي رطّب خاطرها وكان في عينيه دمعة .‏

ما حدث تلك الفترة، وقبل أن تسدّد فاتورة المياه، أن المالك الحقيقي للمطعم والأرض المحيطة به، أراد استرداد العقار، لتوسيع أعماله في المنطقة، وبات الأمل محصوراً في المردود الذي ستحصل عليه لقاء التنازل عن المطعم، غير أن الفكرة بقيت مؤجّلة إلى ما بعد وقوع الطلاق .‏

سحبها صوت من الذكرى. كان (هانك) الذي يساعدها في أوقات فراغه. أشارت بأنها آتية، ونهضت .‏

نظرت فيما حولها. كم اختلف الحال بين الأمس واليوم؟ مسحت المكان بعينيها، ربما للمرة المائة، أرض واسعة، نصفها إسفلتي يستعمل كاراجاً، ونصفها الآخر حديقة جميلة، وفي وسط المكان بناء جميل، جهّز قسم منه ليكون بيتاً صغيراً ، إنه البيت الذي تعيش فيه هند، والقسم الأكبر هيّء ليكون مطعماً يؤمّه أهالي المنطقة، وتطلّ واجهته الرئيسية على الشارع العام.‏

قطعت أرض الحديقة . دارت بضعة أمتار . أصبحت أمام مدخل المطعم . على يسار المدخل مباشرة، غرفة المكتب المجهّزة بتلفاز وكومبيوتر، ويمتد إلى اليمين بار مرتب وجميل، تقابله مساحة وزّعت فيها المناضد، ويتفرّع عنها المطبخ والمنتفعات، ويطل المطبخ على الحديقة التي تجاور البيت .‏

طالعتها تينا بوجهها الموحي بالثقة. أشارت إلى أن هناك من ينتظرها، وعادت تمارس عملها، وتؤمن طلبات زوّار البار. بدت طويلة بحركة ذراعيها، وكأنها سترقص مباشرة. تمايلت. كانت ترتدي جينزاً قصيراً، وحمّالة فوق الصدر المنتفخ. تعقص شعرها المصبوغ إلى الوراء، ثم ترخيه ثانية. لها أظافر طويلة ملوّنة بالأزرق والأخضر والأسود، حسب ما يليق بثيابها.‏

إنه الزنجي (كولمان). جاء يعبّر عن فرحته بافتتاح المطعم. رحّبت بسعادة، وسألت :‏

- ما أخبارك ؟‏

- لا شيء الآن .. لدي متّسع من الوقت للانتخابات .‏

- أعرف أنك لن تتخاذل يا حضرة السيناتور .‏

- انتبهي للكلمة يا هند .. لم أحصل عليها بعد !‏

- ستحصل، وتصبح سيناتوراً. أنت أجدر من كثيرين .‏

- هل تعتقدين هذا ؟‏

- طبعاً.‏

مرّت ثوان. قال :‏

- ستكون هديّتي لابنتي !‏

- كيف حالها ؟‏

- إنها محامية جيّدة .. وناجحة في العمل، كما كانت في الدراسة .‏

- جميل !‏

تذكّرت ما ألحق به في السابق من عار. شغلت نفسها بالحديث. قالت:‏

- سنعمل بصدق للانتخابات القادمة .‏

ضحك. قال :‏

- لدينا من الوقت الكثير .‏

نهض. بدت تينا وكأنها تعاكسه بضحكتها . ألقى عليها تحية تحبّب. ودّع هنداً، وغادر .‏

دخلت هند المطبخ. كانت العاملة ميري منهمكة بإعداد وجبات الطعام. أحسّت نحوها بالامتنان، إنها أكثر العاملات نشاطاً وحيوية، تنحصر تطلّعاتها بتأمين عمل، لا مشاكل لديها، أو اهتمامات خاصة، فأكثر ما يشغلها هو تأمين الغذاء ومصاريف أبنائها الأربعة، والذي لوّن الحب أحدهم بالأسود . كانت هند في رحلة من مقارنات بين ميري والأخريات، حين فوجئت بإحدى الفتيات اللواتي يرتدن المطعم، وكانت قد انفصلت عن صديقها، واستعاضت عنه بآخر. كانت هند منشغلة عن التفكير بها، فهموم الناس لا تحصى، وقد أتاح لها عملها معاينة أمثالها في المجتمع الأمريكي، أولئك الفتيات اللواتي انحصر همّهن بالملذّات، واعتقدن أنها الهم والقضية، أولئك يعملن عند الحاجة القصوى، ويبعثرن الوقت بالسهر أو النوم، أو قتل الوقت بالتوافه، غير أن الفتاة سألت هنداً وبطريقة جادة، قائلة :‏

- هل أنت متزوّجة ؟‏

فوجئت هند بها وبسؤالها. أجابت ببرود :‏

- لا!‏

حافظت الفتاة على الجدّية، وسألت بإصرار :‏

- إذن لك صديق !‏

تأففت هند. التفتت إليها مؤكّدة :‏

- لا .. ليس لي صديق، ولن يكون لي صديق .‏

ابتسمت الفتاة .. عقدت ذراعيها، وسألت ببساطة :‏

- هل أنت سحاقية ؟‏

بين ذهولها ودهشتها. انفجرت هند قائلة :‏

- كنت متزوّجة، والآن مطلّقة. استبدلني زوجي بامرأة كورية المنبت .‏

قاطعتها الفتاة ببساطة أيضاً قائلة :‏

- أنا آسفة للسؤال، وخرجت .‏

جلست هند القرفصاء. أحاطت رأسها بيديها. كان لديها رغبة بالبكاء. مرّ شريط الحياة. صور من الماضي. طفولتها العذبة. بلدها الحبيب. زواجها الأول. زواجها الثاني. تذكّرت كلمات أختها ليلى:‏

- زوجك الأول عذّب جسدك، والثاني سيعذّب روحك .‏

لقد تركاها حطاماً، هو وأخوه. لملمت دمعتها. استندت إلى الجدار. كانت ميري تراقبها بصمت . تلك اللحظة دخل هانك . أسندت رأسها فوق كتفه وهي تشهق بالبكاء. قال :‏

- ليندا في الخارج تنتظرك !‏

مسحت دمعتها. ستخرج إلى ليندا زوجة هانك، إنهما أكثر من وقفا معها في محنتها . ربتت على كتف ميري وخطت نحو الصالة .‏

تينا أكثر الفتيات اللواتي يعملن عند هند حنكة وذكاء . أنهت تعليمها الجامعي بتفوّق. يقال إن اسمها في لائحة الشرف ( فالي فكتوريان) حيث يسجّل أسماء البارزين فيها. أحبت الصلاة في الكنيسة منذ نعومة أظفارها، فأسرتها تنتمي إلى (المعموديين) نسبة إلى النبي يوحنا المعمدان، وتسري الصلاة بأن يصبّوا غضبهم على بعضهم بعضاً. يهجمون بالسلام، أو يرفعون الكلفة مع الله، كأن تعلو أصواتهم عليه. لكنها لا تعرف من أين أتت هذه العادة، كما تحب العمل في البارات لعادة تأصّلت فيها، منذ سني مراهقتها. كانت ترقص عارية في ملاه خاصّة بالرجال . لها جسد متناسق. ساقاها طويلتان. ردفاها ممتلئان. صدرها منتفخ على الدوام، وحين ترهّل لاحقته بحقن السيليكون. تعتز بثدييها الهاربين من ثوبها الملتصق بجرأة. تهوى ترك البصمات عند الآخرين. تلفت الانتباه إلى ما ينم عنها من تصرّفات. تلقي الطرف والنكات وتضحك للجميع، دون استثناء. لتكسب ود الآخرين، وليستمعوا إلى ما تقوله دون نقاش، وهم يحبونها كما يحبون زوجها الذي يحضر أحياناً، ويغض الطرف عن تصرفاتها، أو يبتسم لها معلناً عن قدومه . كانت مدركة مدى حبه لها. ومذ تزوّجا قبل ثلاثة عشر عاماً، لم يتشاجرا، أو يحدث بينهما من خلاف. متّفقان على الدوام. يقول إنه يثق بها، وأنها تستحق الثقة، والحب. يجلس في مكان منزو. ينتظر انتهاء وصلتها في العمل، ليعودا معاً إلى الأبناء. أما ابنها (تيو) فقد ورث الذكاء عنها، فهو متفوّق أيضاً، باستطاعته البروز في كل مجال، وترك أكثر من بصمة. يشهد على هذا معلموه في المدرسة، التي يغادرها في أحيان كثيرة، وبعد إتمام يومه الدراسي، ليتجه إلى الجامعة، وهناك يختار الفرع الذي يرغب أن يكون به ذلك اليوم، وكم تحدّثوا عن استيعابه الذي يوازي استيعاب طلاّب الجامعة، فيلاحقه الإعلام باستمرار، إلى أن لاحقه ذات يوم ليظهر على شاشات التلفاز خاضعاً للأسئلة والاستغراب .‏

انبرى أحد الحاضرين مشجّعاً .. قال :‏

- لابد أن يكون لهذا الولد شأن !‏

ضحكت تينا وهي تهزّ ردفيها .. أجابت :‏

- أجل .. شأن كشأني أنا !‏

بقيت تينا طوال يومها مغتبطة . لم تردّ ضيافة أحد من روّاد البار. شربت حتى الثمالة. هزّت خصرها ووركيها. غنّت. تمايلت. إنها صديقة الجميع. يشكون لها همومهم، ويشاركونها قضاياها، وتشعرهم بأهميتهم عندها. كان لها نخبة من الأصدقاء، يحضرون خصّيصاً لحديث مطوّل، فلا تبخل على أحد بثرثرة أو نصيحة. يكون زوجها خلال ذلك يراقب بعينين مدوّرتين، فتبدو كتفاه متهدّلتين، ربما لطوله الواضح، وهزاله، وربما لضيق مساحة صدره، لا بطن له ولا عضلات، له خصلات شعر خفيف، تتهدّل على جبينه، فيبدو وجهه كطفل ينتظر قطعة حلوى. فمه مدوّر كعينيه اللتين تنبعث منهما الخيبة. كان مستسلماً على الدوام لما يبدر عن تينا، التي تبدو أكثر قوة وصلابة. يقول إنه معجب بها، واثق من حبها ومن تصرّفاتها خلال العمل الذي هو جزء من مهنتها ،فهي لا تنام إلا معه. إنها له أولاً وأخيراً، لقد منحته أبناء أذكياء، غير أنه يقعي على نفسه، يراقبها وهي تمنح وقتها للآخرين، وينقّل بصره بين الوجوه المعجبة التي تلاحقها فيأتيه اعتقاد بوفاء تينا التي يزغرد السر في أعماقها بعيداً عن العيون، وعن زوجها ورواد البار، فعشيقها لا ينتمي إلى طبقة البارات. كان هذا يبهج تينا، وهي التي يتطلّب منها عدم الالتزام خلال العمل بأحد، وهي لا تريد خسارة عملها، أو خسارة الآخرين. تلك العلاقات الموزعة بين الجميع، ومقيّدة بحدود البراءة، فلا يمنع أن تخص أحداً بحديث، أو اهتمام، لكن أن تنصرف بكليّتها إلى رجل ما، فهذا ما كان يخيف الزوج، وكان هذا سر من أسراره العظيمة، المراقبة بصمت وهدوء، فيصل إلى قناعة من سويّتها، ينهض إثر إشارة منها. تكون وصلتها قد انتهت. يخرجان. يتأبط ذراعها أو يضم خصرها، ويلقي نظرة على المكان وكأنه كسب كنزه الذي كان مهدّداً بالفقدان .‏

اعترفت تينا لزميلتها جينا بسرّها الذي أخفته عن الجميع، وكيف تسرق الوقت لتلتقي بعشيقها بعيداً عن العيون، أما الذي لم يخجلها أبداً وتحدّثت به في أكثر من موقف، فكان من ذكريات المراهقة الأولى، والعمل الأول في نادي العراة، وعمرها الذي لا يتجاوز الثالثة عشرة. تذكر ذلك اليوم جيداً، وعلاقتها الأولى مع الرجال، وصديقها الخاص الذي كان مغرماً بلعبة البيسبول، والذي خفق قلبها له، وقرّرت منحه الحب والجسد، كانت ما زالت عذراء، تحلم كغيرها من الفتيات بممارسة الجنس الذي سيمنحها الأنوثة والجمال. كان والدها غائباً ذلك اليوم، تلك الذكرى التي لن تنساها، وكانا يتّجهان إلى البيت الصغير، مستسلمة لما سيكون وما سيحدث، حين استلقت تنتظر المجهول. تذكر أنها أغمضت عينيها. ربما خجلت، أو خافت . تلك اللحظات التي لا تنسى، وهو يبدي امتعاضه ويتأفّف. أشار بأنها ليست مهيّأة لممارسة الجنس، وليست مسؤوليته أن يفض بكارة عذراء. حدث ذلك بلمح البصر. شعرت بشيء قاس يدخل فيها، وألم يتوضّع في أنحاء جسدها. عرفت من خلال الألم الذي أصابها، أن صديقها الذي أحبته قد اخترقها بعصا البيسبول المخصّصة للعب، وبين بكائها الذي لا تنساه دخل والدها، الذي جنّ لما حصل، وانهال عليه ضرباً بتلك العصا. غير أن الشاب أثار قضية الإهانة التي ألحقها به الأب، فأوقف الأب رهن التحقيق، وصدر عليه حكم الغرامة والسجن، لاعتدائه على لاعب بيسبول قد يكون شهيرا في يوم ما .‏

تضحك تينا كلما تذكّرت. أنه لاعب البيسبول، الذي لم يحقق الشهرة أبداً.‏

جلس بيل قرب هانك الذي راح يثرثر في أكثر من موضوع، إلى أن انتهى بقصة مرضه، وكيف ساعدته هند بلقاء مطوّل مع الطبيب، الذي بسّط له خطوات العمل الجراحي، وضرورة إجراء سريع له، فقد يستفحل المرض، وتصعب مقاومته وعلاجه، خاصة وأن المرض يبدأ بالقدمين، يصيبهما بعجز عن الحركة، أو يصلان إلى الشلل ، فتجرّأ آنذاك، واستسلم لمبضع الجرّاح، الذي كان له الفضل في شفائه .‏

راقبه بيل. كان في الأمس يشكو من التعب . ونصحه بزيارة الطبيب الذي عالجه . سأله :‏

- ماذا قال الطبيب ؟‏

- قد أضطر لعمل جراحي آخر . إنه مصر أن التدخين سبب ما أنا به .‏

- اتركه !‏

ضحك هانك .. هزّ رأسه في اللحظة التي مرّت هند. كان بيل يراقبها بإعجاب. تمتم :‏

- أشعر نحوها بالحب .‏

- وأنا أيضاً.‏

ضحكا .. تابع هانك :‏

- ما زالت تحب جورج .. طلقت منه وتحبه .. ربما سيتزوّجان من جديد .‏

- هند لا تفعل هذا .‏

- وإن فعلت ؟‏

- لا أستطيع أن أتصوّرها معه ثانية .. لقد عذّبها كثيراً.‏

التقت نظراتهما. وأخذا يضحكان. كان كل منهما يدرك مكانة هند عند الآخر. كانا صديقين لها، وكانا يهرعان إليها إن وقعت في ضيق، أو شعرا بحاجتها إلى المساعدة، وكانت هي تحاول في كل مناسبة ردّ الجميل .‏

دخلت هند برفقة لين والصغيرة فالن. ألقيا التحية ومرّا. لاحظ بيل سلام لين الموجّه لهانك فقط، كما لاحظت هند ذلك، وفي لحظة هدوء سألت ابنتها عن سبب ذلك، فأجابت :‏

- لا أريدك أن تتحادثي مع بيل .‏

ضحكت هند. تساءلت :‏

- لم ؟‏

- لا أدري ؟! لكنه يشبه الأرنب بأسنانه، ومشيته .‏

تململت هند وهي تضحك للملاحظة. سألتها وهي تتفرّس بعينيها :‏

- وهانك ؟‏

ارتبكت. أجابت وقد رقّ صوتها :‏

- هانك رجل طيّب، ولقد اعتذرت منه لما سبّبته له في السابق.‏

أصبحت هند جادّة. قالت:‏

- أرجو ألاّ تضطري للاعتذار من بيل في يوم ما .‏

- أماه. إني لا أمزح . لا أحب بيل هذا .‏

تململت هند . كان الهدوء قد خيّم على الجلسة، وكأنها فكّرت طويلاً، وهي التي تعرف مدى حب لين لها، ومدى غيرتها التي لا تبرير لها في أكثر الأحيان . قالت بشيء من الجدّية :‏

- ابحثي لي عن صديق . أنا امرأة عزباء .‏

- أماه .. مستحيل !‏

- لماذا مستحيل ؟ أنا امرأة في الخامسة والأربعين . لا ارتباط عندي . هذا يعني أن حياتي ملك لي، وليس للآخرين .‏

- أماه . أنا أحبك، ولا أريد أن تقعي في الخطأ .‏

نهضت لين وهي تحضن ابنتها . كانت هند تلاحقها بكلمات التحبب، وكانت هي تبتعد وقد شدّت كتفيها إلى الوراء، فتهدّل شعرها الكستنائي. بدت جميلة باضطرابها وقلقها، أما هند التي أقسمت ألاّ تتزوّج ثانية . أقسمت أيضاً ألاّ تجلب الحزن إلى عيني لين وابنتها أبداً.‏

سألها هانك بلهفة :‏

- ما بها لين ؟‏

ابتسمت هند . تمتمت :‏

- إنه بيل .‏

ضحك هانك من أعماقه، وقال :‏

- الحمد لله هذه المرة بيل، وليس أنا .‏

أما بيل الذي ابتسم وقد احمرت أذناه، فقد آثر الصمت، واختلس نظرة من هند التي ربتت على كتفه، وابتعدت .‏

يتمتّع بيل بصفات الرجل الأمريكي الطيب. أرمل. يقارب الستين من العمر. يعمل مديراً لإحدى الشركات الخاصة بتأجير السيارات. يصف الأعمال كافة، بالدواء الشافي للأمراض العصابية. ورث عن أبيه ما جعله في بحبوحة عيش، وبعد أن أنهى أبناؤه مراحل الدراسة. أصبحت لهم حياتهم الخاصّة. رفض كل منهم تلقي المساعدة منه، وأعربوا عن احترامهم لأموره، وعليه بالمقابل السخاء على نفسه، والتمتّع بمباهج الحياة.‏

يهوى بيل الرياضة والاستماع إلى الموسيقى، يمارس الجري في الصباح الباكر، يعرفه أكثر من في الجوار. يلقون عليه تحية الصباح. يوزّع الابتسامات، وهو الذي عرف بجرأته في المواقف الصعبة، يشعر بأن له حق التدخّل في شؤون أصدقائه، ذلك الحق الذي خوّله ذات يوم عرض بعض المال على إحدى عاملات البار، على اعتقاد أنها بحاجة ماسّة إليه، وكلّفه ذلك مزيداً من الثرثرة والاتهامات.‏

لم يتبدّل بيل، فحب العطاء متأصل به. فلا يمر بذهنه خاطر له نفحة المساعدة إلاّ وهب لتحقيقها، يتابع الصحف ووسائل الإعلام، يبحث عن مزاد يكون ريعه للمحتاجين، وأكثر ما كان يهمّه، أخبار المعاقين، خاصة أولئك المولودين في ملاجئ الدولة، فيهرع إلى تلبية ذلك الدافع، الذي يحثّه على المبادرة، وتقديم ما يراه ملائماً. كان هانك وهند أحياناً يتوقّعان مجئ يوم، لا يرى معه ما يغطّي نفقاته اليومية. كان يضحك ويصف شعوره بالمد الذي لا يستطيع إيقافه، وكأن حياته ستنتهي إن لم يستجب لذلك النداء الذي يصرخ في أعماقه في كل مناسبة. لم يكن يريد شيئاً من هذه الحياة. يحب أبناءه وحفيديه، يحب الطعام بأنواعه. يعلّق بأن وجبة طيبة تجلب اللذة، وقد تنقّل في مطاعم توليدو، وفي شبابه تنقّل كثيراً في مدن كثيرة، ومطاعم كثيرة، وتذوّق مأكولاتها، فلم يتذوّق أطيب من الطعام العربي، خاصةً (الكبّة) بأنواعها، وكان يعدّد بعض أصنافها، فتخرج من شفاهه ملثوغة. كانت هند تضحك، فيضحك هو أو هانك وزوجته.‏

يعتقد من يراه للوهلة الأولى ببلادته، ربما لهدوئه، أو لجسده اللامتناسق. من يراه ماشياً لا يصدّق أنه يجري ساعات دون تعب أو ملل. له تقاطيع دقيقة، وأصابع دقيقة. يبدو لمن لا يعرفه أنه يمت لإحدى قبائل الهنود الحمر، بلون بشرته ونظرة عينيه.‏

كان وحيداً دائماً، عدا هانك صديقه الوحيد، وهند التي تعرّفت عليه أول مرّة في مزاد، خصّص ريعه للمعاقين، كان التعاطف على أشدّه، فالشعب الأمريكي يتبع انفعالاته، ويهوى تقديم المساعدات، خاصّة إن وجدت الدعاية الكافية لها، فيهرع بصدق وقناعة شديدين. ذلك اليوم كان بيل ينافسها في رفع قيمة المبلغ، وكانت تحتد كلما تضخمّ المبلغ، وحين انتهت المنافسة، كانت لصالحه. لم تكن حزينة للنتيجة، غير أنه جلب لها البهجة وهو يقدّم لها الهدية الرمزية التي تلقّاها، وكانت أول معرفتها به التي استمرت سنوات.‏

يبدو محباً بابتسامته الهادئة. ومتفرّغاً لجلسة قصيرة. يأتي إلى المطعم. يختار مقعداً بعيداً عن الصخب. كان يتعامل مع ميري بسخاء، ويتحدّث عن حاجتها الماسّة لما تعيل بهم أبناءها الصغار، وكانت تهتم به بطريقة لافتة، فهو يحترمها، ويقدّر جهودها، وفي أحيان كثيرة تستقبله بعناق أقرب للتحبّب، فيشعر بالانتشاء، وتطفو مسحة خجل فوق وجهه.‏

تزوجت هند من ابن عمّتها جاد الصغير وهي في السادسة عشرة من عمرها . حملها من بلدها إلى مسقط رأسه في توليدو. كان رجلاً مزواجاً، له عشيقات يشغلنه باستمرار. أذاقها ألوان العذاب كما حدث مع زوجته الأولى أم ابنته كاتي، أنجبت هند أيضاً ابنة سمّتها لين، وكانت في السابعة من العمر حين طلّق والداها. أما ابن العمة الأكبر جورج فكان لها ولابنتها المعين والملجأ، وكان أرملاً ووحيداً. أحاطهما بالرعاية والاهتمام، ومرّت السنوات ليعلنا نبأ الارتباط، ويتزوّجا.‏

ذاقت على يدي جورج عذاباً آخر مختلفاً. كان ظنوناً، باستطاعته رمي الاتهامات كيفما شاء، وأرجع الطبيب ذلك لحالة تصيب بعض الرجال في هذا العمر، خاصة حين يكبر الزوجة بعشرين عاماً أو أكثر .‏

تبدّل جورج. تلوّنت قمصانه. صبغ شعره. أكثر من ممارسة الرياضة. له قامة منتصبة، وجسد متناسق. يعرف كيف يتحرّك أو يمشي. ظهرت في حياته امرأة كورية الأصل، هذه المرأة كرهت هنداً، وأتاها اعتقاد أنها المنافسة لها، أما ليلى فقد أقسمت أن جورج قد أوحى للكورية بذلك لأسباب خاصّة به.‏

لم يبتعد أبناء العمة عن هند خلال فترة الطلاق. يتناقشون أمامها بتطوّرات الأحداث، فتثور ليلى. تذكّرها بالماضي، بطلاقها الأول، بآلامها، بأحزانها. تصمت، فليلى على حق، فأبناء العمة حرقوا عمرها. اتنزفوا صحّتها وأعصابها، إنهم متعاضدون. متكاتفون، لكنها لا تدري لماذا تغفر لهم، فهي لم تكرههم في يوم، تبرّر لهم. هم أهلها وأسرتها مذ وطئت قدماها هذه الأرض. تعوّدت أخطاءهم وكيف تتعامل معها. أما جاد الصغير زوجها الأول، فكان يبدي أسفه في كل مناسبة لما سببه لها من آلام، ويتطوّع في أحيان كثيرة لخدمتها، فتضحك. كان يحتاج لمن يخدمه، فقد تدهورت صحته. هزل جسده وابيض شعره، وغارت عيناه، ثم تساقطت أسنانه، وأهم من كل ذلك فقد ضعفت قبضة يده المشهورة بقبضة الموت. فيبدو أكبر من أخيه الأكبر بسنوات، فتسانده هند بكل ما تستطيع، ولضيق يده تهرع تلبي المعونة التي هي في أكثر الأحيان ما يساعده على مصاريف الحياة، خاصة وهو ينتقل من فتاة معدمة إلى أخرى، بعد أن تركته روزا صفر اليدين .‏

هزمت هند في الزواج مرتين، غير أن شعورها بالخسارة كان أقسى في الزواج الثاني، وكان هو في حالة من السعادة والوئام مع المرأة الكورية، التي لم تستسغ وجود هند قريبة من حياتها .‏

أما ابن العمة الأصغر الذي ماتت زوجته انتحاراً، فما زال يحتفظ بالصحة والنشاط، وما زال قميصه ملوّثاً ببقع الدهون والعسل. يفتخر بحبه لأمريكا، وبقبعته. يتحدّث عن صالات القمار بعشق. يضحك وهو يهتز بأجمعه. كانت دكسي زوجة صديقه فعشقته، ثم طلّقت زوجها الذي تعيش معه تحت سقف واحد بعد الطلاق من أجل التوفير. يتقاسمان إيجار البيت، ومصاريف الماء والكهرباء، وفواتير الهاتف. زوجها يعرف بعلاقتهما. حافظ على صداقته معه فترة من الزمن، ثم تخاصما، لا لأسباب تتعلق بتلك العلاقة، بل لأسباب أخرى، وتصالحا ثانية. أما دكسي التي تعمل مضيفة للطيران برتبة جيدة، فتنام في بلد وتستيقظ في بلد، وتحط الرحال أخيراً في بيت طليقها، وتحلم بالعودة إلى أحضان الأصغر الذي يعد الأيام لمجيئها، فهو يحبها كثيراً.‏

لأبناء العمة الثلاثة حظوة عند لين، فهي مولعة بأبيها وعمّيها كولعها بأمها. تلك العلاقة التي عرف جورج استغلالها، فشغل لين بكرمه الخاص معها أولاً، ثم بنقل الأسرار التي يطّلع عليها بذكائه، خاصة وهو في حالة من الظنون، فيسكب في آذان لين التي لا تعرف الكذب، ما شاء له من تصوّرات. أما لماذا ؟ فذاك ما احتفظ به ليبقى سرّاً من أسراره العظيمة كما يقول. أما في بقية الحالات، كانت الأخبار الهامة وغير الهامة، تأتي في سياق الحديث على لسان لين، ما قاله جورج، وما سيفعله، أو ما سيجدّ في حياة كل فرد في أسرتها التي تحبها بجنون .‏

قرّرت لين العودة إلى لاس فيغاس . لقد انتهت فترة الاستجمام التي حلمت بها. أتى الخبر مفاجئاً لهند، فلم تتفوّه بكلمة، فالزوج ينتظر بفارغ الصبر .‏

حضرت ليلى وجورجي مع ابنته آنا لوداعها. كان الطقس جميلاً. مرّ الوقت في الحديقة، حيث قضوا النهار في الدفء. كان الغداء لحماً مشوياً، وكان كل منهم يعمل، ولم يغب عن فالن المساعدة، فتروح وتجيء وتجلب البهجة إلى الجميع .‏

لحق بهم (ديف) صديق ليلى. بدا الجميع في انسجام، عدا جورجي المنشغل بغياب جمانا. اقتربت منه هند سألته :‏

- أتحبها ؟‏

لم يجب . قالت :‏

- أنا أحبها جداً. إنها أفضل زوجة أخ .‏

- زوجة أخ ؟‍ أنت تحلمين ‍‍‍‍‍.‏

- لم لا ؟ قرّر .. تتزوّجا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‏

- القرار لها .. أنت تسخرين مني .‏

كانت آنا خلال ذلك تراقب أباها. لم يكن ليعتقد بأن الطفلة ذات السنوات العشر تعي ما يحدث. اقتربت منه. سألته :‏

- هل ستتزوّج جمانا ؟‏

- لم تسألين ؟‏

- لأن أمي لن تتزوّج .‏

- حقاً؟‏

هزّت رأسها. سألها :‏

- هل تحبين جمانا ؟‏

- أحبها .. لكن .. لماذا رحلت إلى فلوريدا ؟‍‏

- لا أدري يا لين ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.‏

كان جورجي أكثر من يعرف لماذا رحلت، وهي التي أقامت عند هند سنوات ثلاثاً. عملت معها في المطعم. طبخت الأكل العربي بأصنافه. أعادت له ذكرى أمه وطفولته، ووطنه. أحبها كثيراً. وجد في عينيها أمله الذي ضاع أكثر من عشرين عاماً. كانت له الحلم. الماضي والحاضر، والمقبل، وكان يتلمس الحب في عينيها، في لمسة يديها، في حركتها ولهفتها. غير أنها تعرف الهروب في لحظة ما. تهرب وقلبها معه. كان يدرك أكثر من هذا، ويدرك أيضاً أنها تنشد له الراحة والاستقرار. لكنها طالبته بالكثير. ساومته على عمر مضى، على سنوات طويلة محفورة في عقله وقلبه، في جسده وشرايينه. سنوات تأصّلت به، أصبح منها وهي منه. ليس سهلاً أن يترك عاداته. إنه يتحرّك ودون أن يدري. ينساق كما في كل مرّة. تذكّره الساعة. يذكّره الأصدقاء. كل شيء يحثّه، وحين يحل الموعد ينساق إلى هناك. يجد نفسه في تلك الصالات. كثيرون يهرولون إلى هناك. يراهنون على الأحصنة، أو ينشدون المقامرة، وفي كل مرّة يأتيه الشعور السابق. سيستعيد كل ما خسره خلال السنوات دفعة واحدة، ثم يغادرهم إلى غير رجعة. لقد أطعم تلك الصالات تعبه وعرقه طويلاً، ورزح تحت الديون. كل صالات أمريكا تدعوه إليها مجّاناً. بطاقة السفر ومصاريف الإقامة. يكفيها أن يلبّي الدعوة. يجب أن يتشجّع، يتجرّأ، فهي أيضاً ستمدّه بالمال كما مدّته دائماً، وغرق في الديون، وما زال يهرول إلى هناك. يحمل أمل أرباح قادمة تعوض له ما فات .‏

اقتربت هند منه. تمتمت :‏

- كانت رائعة .. تحمّلتنا كثيراً‍ .‏

- من تقصدين ؟‏

- جمانا .. عاشت معي ظروف الطلاق خطوة خطوة .‏

- أعرف هذا ‍.‏

- ماذا قلت ؟‏

- بماذا ؟‏

- هل ستلبي رغبتها ؟‏

- لا أدري .‏

عانق لين وفالن مودّعاً. أخذ آنا بيدها وخرج . كان يراقب الساعة. حسب الوقت ما بين بيت آنا والعودة. أسرع. لن يفوته الوقت على رهان الأحصنة. بدا منشرحاً وقد نسي جمانا.‏

تحدّث في الطريق مع آنا. سألها عن علاقتها بأخيها من أمها والذي يكبرها قليلاً. سألها عن أمها. بدا مطمئناً. وعدها بتمضية عطلة الأسبوع في مدينة الألعاب، والتي تبعد مسافة ساعتين عن توليدو. بدت مبتهجة. عانقته وهي تهبط من السيارة. راقبها وهي تدخل من الباب. أرسلت قبلاتها. ابتسم وهو يغادر إلى غايته.‏
الموضوع الأصلي: أول حـب… آخر حـب ـــ || الكاتب: mada_5005 || المصدر: منتديات

شمس الحب



تستطيع المشاركة هنا والرد على الموضوع ومشاركة رأيك عبر حسابك في الفيس بوك




H,g pJf… Nov pJf JJJ








آخــر مواضيعـى » *حبيب العمر*قصة واقعية رومانسية* ***
» من رواية الأيام ))))))))))))))))))))))))))))) طه حسين
» مسابقه شهر رمضان المبارك لعام 1429
» أول حـب… آخر حـب ـــ
» وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام
  رد مع اقتباس
 
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الإعلانات النصية


الساعة الآن 11:56 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.0 Designed & TranZ By Almuhajir
Adsense Management by Losha
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات شمس الحب
ما يُكتب على منتديات شمس الحب من قِبل الاعضاء لا يُمثل بالضرورة وجهة نظر الإدارة وانما تُمثل وجهة نظر صاحبها .إلاإذا صدر من ادراة الموقع .

Sitemap

PageRank Checking Icon
Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B4%D9%85%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to NewsBurst Add to Windows Live
Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki

 
Web Counters
Emergency Cash Loan Michigan
إنظم لمتابعينا بتويتر ...

أو إنظم لمعجبينا في الفيس بوك ...