![]() |
سبب تشيع ايران ما ذكره الشيخ محمّد تقيّ المجلسيّ في شرح من لا يَحضُره الفقيه ( روضة المتّقين ) في قصّةٍ خلاصتها أنّ السلطان الجايتو المغولي غضب على إحدى زوجاته فطلّقها ثلاثاً، ثمّ ندم فسأل العلماء فقالوا: لابدّ من المُحلِّل، فقال: لكم في كلّ مسألة أقوال، فهل يوجد هنا اختلاف ؟ قالوا: لا، فقال أحد وزرائه: في الحلّة عالِم يُفتي ببطلان هذا الطلاق. فاعترض علماء العامّة، إلاّ أنّ الملك قال: أمهِلوا حتّى يَحضُر ونرى كلامه. فأحضره، فكان من العلاّمة الحلّي أن دخل وقد أخذ نعلَيه بيده وجلس، فسئل عن ذلك فقال: خِفتُ أن يسرقه بعض أهل المذاهب كما سرقوا نعلَ رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقالوا معترضين: إنّ أهل المذاهب لم يكونوا في عهد رسول الله، بل وُلدوا بعد المئة من وفاته فما فوق. فقال العلاّمة الحليّ للملك: قد سمعتَ اعترافهم هذا، فمِن أين حَصَروا الاجتهاد فيهم ولم يجوّزوا الأخذ من غيرهم ولو فُرض أنّه أعلم ؟! سأل الملك: ألم يكن واحدٌ من أصحاب المذاهب في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله ولا في زمن الصحابة ؟ قالوا: لا، فقال العلاّمة: ونحن نأخذ مذهبنا عن عليّ بن أبي طالب وهو نَفْس رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخوه وابن عمّه ووصيّه، ونأخذ عن أولاده من بعده. فسأله الملك عن الطلاق بالثلاث، فأجابه العلاّمة: باطل، لعدم وجود الشهود العُدول. وجرى البحث بينه وبين العلماء حتّى ألزمهم الحجّة جميعاً، فتشيّع الملك ألجايتو وخطب بأسماء الأئمّة الاثنَي عشر في جميع بلاده، وأمر فضُربت السكّة بأسمائهم عليهم السّلام، وأمر بكتابتها على جدران المساجد والمشاهد. وفي رواية أخرى.. أنّ الملك أحضر علماء الشيعة، فأهدى العلاّمة الحليّ له كتاب (نهج الحقّ وكشف الصدق) و ( منهاج الكرامة )، فأمر قاضي قضاته نظامَ الدين أن يناظر العلاّمة الحليّ، وهيّأ لذلك مجلساً عظيماً مشحوناً بالعلماء، فأثبت العلاّمة بالبراهين القاطعة والدلائل الساطعة خلافة أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، بحيث لم يبقَ للقاضي مجال للمدافعة والإنكار، بل شرع في مدح العلاّمة مستحسناً أدلّته قائلاً: قوّة هذه الأدلّة في غاية الظهور، أمّا حيث إنّ السلف سلكوا طريقاً فاللازم على الخلف أن يسلكوا سبيلهم؛ لإلجام العوامّ ودفع تفرقة الإسلام، أسبلوا السكوت عن زلل أولئك، ومن المناسب عدمُ هتك ذلك الستر. فدخل السلطان وأكثر أُمرائه الحاضرين في المجلس ذلك في مذهب الإماميّة، ثمّ أمر في تمام ممالكه بتغيير الخطبة وإسقاط أسامي غير الأئمّة عليهم السّلام وبذكر اسم أمير المؤمنين وسائر الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين على المنابر، وبإعادة « حيَّ على خير العمل » إلى الأذان. فلمّا انقضى مجلس المناظرة خطب العلاّمة الحليّ خطبة بليغة شافية، حمِدَ الله تعالى فيها وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وآله صلوات الله عليه وعليهم. فقام ركن الدين الموصليّ ـ وكان ينتظر عثرة من العلاّمة ـ فقال: ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء ؟ فقرأ العلاّمة قوله تعالى: الذين إذا أصابَتْهُم مُصيبةٌ قالوا: إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون * أُولئكَ علَيهم صَلَواتٌ مِن ربِّهم ورحمة، وأولئك هُمُ المهتدون (20). وجعل السلطان الجايتو ( خدابنده ) بعد ذلك السيّد تاجَ الدين محمّد الآوريّ الإماميّ نقيب الممالك (21). قال الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ: وفي عصر العلاّمة الحلّيّ استبصر السلطان ( خدابنده ) وتشيّع، وضرب النقود باسم الأئمّة عام 708 هجريّة.. وأُعطيت بعض الحريّات الدينيّة التي كان العبّاسيّون يمنعونها. وفي عصره أيضاً عادت الحلّةُ إلى مكانتها العلميّة القديمة، فازدهرت فيها المدارس بعدما عانت من الاضطهاد مُدداً طويلة، ومنها كانت تستقي (المدرسة السيّارة) التي أُسّست في معسكر السلطان، لتجوبَ البلاد الإسلاميّة لنشر العلم والفلسفة، وقد تخرّج من هذه المدرسة رجال أمثال الآمليّ محمّد بن محمود (22). وقد كتب المؤرّخ معين الدين النَّطَنزيّ في كتابه ( منتخب التواريخ ) يصف خدابنده بعد تأثره بالعلاّمة الحليّ: كان ذا صفات جليلة.. وكان أكثر معاشرته ومؤانسته مع الفقهاء والزهّاد والسادة والأشراف.. وقد وفّقه الله لتأسيس صدقات جارية، منها: أنّه بنى ألف دار في بقاع الخير، والمستشفيات، ودُور الحديث ودور الضيافة والمدارس والمساجد والخانقاهات، بحيث أراح الحاضر والمسافر، وكان زمانه من خير الأزمنة لأهل الفضل والتُّقى.. |
الساعة الآن 02:03 PM بتوقيت مسقط |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.0 Designed & TranZ By
Almuhajir