قصة حمارين
الذكي الحقيقي، ومن أجل قياسات مجتمعنا اليوم، هو من يستغل ذكاءه لإقناع من حوله أن به شيئا من الجهل والعته والسذاجة والسطحية. نحن في مجتمع ينبذ الأفراد المكتملين، ويحارب الكفاءات المؤهلة، ويخشى من طموحات الأذكياء، ويظن بالغيرة أن في هؤلاء خطورة بالغة على طموحاته المناصبية والإدارية. وبتقريب المثال: الذكي الحقيقي هو من يأخذ العبرة من (أضحية عيد الله الأكبر) حين تنجو النطيحة والمتردية وناقصة الأعضاء لتعيش دورة جديدة من الحياة، لأن السكاكين ستذهب مباشرة إلى (نحر) البهيمة المكتملة. ولو أنها استغلت بصيصاً من الذكاء لمشت (بضلاع) يوم عرفة كي تنجو برقبتها صباح العيد.
ومرة أخرى سنذهب لتقريبات المثال كي نشرح الجملة الأولى في الاستهلال بعاليه: عشت قبل فترة ليوم من الزمن في ضيافة عائلة تهامية ما زالت حتى اللحظة تتكئ وتعتمد على (حمارين) لصيرورة الحياة في المسالك الوعرة من رأس الجبال إلى المزارع والآبار في السفوح وبطون الأودية. ومن (فرط ذكائي) لاحظت أن العائلة طيلة اليوم تستخدم حماراً واحداً لم يحل الظلام إلا وقد خارت قواه منهكاً متعباً، بينما الحمار الآخر (مربوط) يتلذذ بأعواد الذرة تحت ظل شجرة وارفة. لماذا لا تستخدمون هذا الحمار ولو بالمناوبة؟ فكان الجواب السريع: لأنه (غبي) يرفض أن يتعلم مسالك الطريق وكيفية الصعود بالأحمال من الوادي إلى رأس الجبل.. على العكس تماماً فقد أدركت أنه بعينه هو الحمار (الذكي) حين أقنع العائلة من حوله أن به (شيئا من الجهل والعته والسذاجة والسطحية) فنال الحظوة منصباً في درجة عليا على رأس الجبل تحت ظلال شجرة (السدر)، متلذذاً بأعواد الذرة وحزم القصب الذي تأتي إليه على ظهر الحمار الآخر الذي ظن نفسه ذكياً مكتملاً بينما هو (الغبي) الحقيقي بمقاساتي في الجملة الأولى من المقال.
وبأم عيني، شاهدت هذين (الحمارين) في مواقف شتى ومكاتب شتى طوال الحياة.. في ألمع المهندسين الذين ركنوا على الرف.. ألمع أساتذة الجامعات الذين لم يحملوا قلماً للتوقيع.. أروع العقول التي لم تستدع لإدارة أو لجنة أو فريق عمل أو عضوية مجلس. بأم عيني، أيضاً وقفت بعد المغرب أمام باب هذه العائلة التهامية على مشهد أخاذ من النكتة الجادة الساخرة: رأيت (الأسود) يرفس (الأبيض) بكل العنف حين اقترب منه، والأخير لا يقوى على شيء بعد يوم طويل من الصعود والهبوط وهو يذرع الجبل.. كأنه يشحذ عود ذرة يتيما من بين يدي (زميله) حتى وهو (الغبي) الذي حمله على ظهره لأخيه.