ذكريات اليمة حفرها الزمن في الذاكرة قبل مغادرة الوطن الحبيب الي غير رجعة
المكان : معتقل القلعة. القاهرة . في نوفمبر سنة ١٩٦٦
المهنة : طبيب وحدة صحية ريفية -- السن : ٢٦ سنة
قال لي مسؤول الأمن الكبير : البلد في حالة حرب -- كانت بقايا حرب اليمن آنذاك ، والعدو متربص علي الحدود للانقضاض علينا -- يقصد اسرائيل حين كانت هي العدو والرئيس - عبدالناصر-- يبذل كل جهده لرفع هذا الشعب والامة العربية والحمد لله حتي الآن خلاهم بني آدميين. ولكن المشوار طويل ومهمتنا نحن -- جهات الامن -- هي تأمين الجبهة الداخلية لضمان أمن الوطن.
لا تظن أننا غافلون عما يفعل الناس ويقولون اننا نستطيع ان نعرف ماذا يفعل كل واحد في هذا البلد حتى لو كان يغلق عليه غرفة ويكلم نفسه ولن نسمح لاحد ان يعارض او ينتقد او يعطل المسيرة. سنعتقل كل من يعارض بل أن الذي يفتح فمه ليتثاءب سنعتقله علي سبيل الاحتياط.
قلت : والي أي مدي ؟
قال : لو اضطررنا لاعتقال الثلاثين مليون - تعداد سكان مصر -- سنعتقلهم أو علي الأصح لو عندنا امكانيات كافية لاعتقالهم كنا اعتقلناهم. لا بد ان يسود النظام
قلت : في ظل القانون ؟
قال : في ظل القانون او بلا قانون لايهم ، نحن نسن القانون . بل نحن القانون
قلت في نفسي : هذا افضل بكثير . يا سادة الامن . يا عيون الشعب الساهرة - شعار الداخلية التي تراقبه في كل لحظة حتي في غرفة نومه
اعتقلوا جميع الشعب -- يضمنون الاقامة والغذاء والعلاج . والراحة من عناء البحث عن لقمة العيش ولكن يا خسارة .. ليس عندكم امكانيات كافية لاعتقالهم جميعا وتاخذون منهم عينات .عشوائية علي مبدا اضرب المحبوس يخاف السايب خسارة انكم لا تستطيعون اعتقال الشعب كله داخل المعتقلات وما اكثرها فلا بأس اذن من اعتقالهم داخل المعتقل الكبير . الذي يتسع للجميع، البلاد كلها معتقل واسع . عنبر كبير فيه سجانون وحراس وحوله اسوار، ولكن للاسف الغذاء والاقامة والعلاج ليس مضمونا للجميع.
بعد شهور قليلة من الحوار قدمت الي المحاكمة في القضية رقم واحد لسنة ١٩٦٧ امن دولة عسكرية عليا بتهمة الاشتراك في اتفاق جنائي علي قلب نظام الحكم القائم بالقوة وتغيير دستور الدولة وحكمت المحكمة العسكرية ببراءتي.
ورغم ذلك استمر الاعتقال خمس سنوات وتم الافراج بعد سنة من وفاة عبد الناصر، وغادرت المعتقل والوطن الحبيب الي غير رجعة ، وقاومت رغبتي في حفنة تراب من الارض الطيبة او شربة من ماء النيل العذب ، ولكن قلبي كان ومازال متعلقا بذلك الشعب الطيب المقهور الذي لو اتيحت الامكانيات لاعتقل جميعه.
أسأل الله أن يفرج كربه وأن يزيل غمه . إنه علي كل شيئ قدير.