فُطر الإنسان على حب التأجيل والتسويف، وإرجاء الأمور من وقتٍ إلى آخر، وقد صدق أحد الشعراء حين قال: إنه يريد أن يتوب منذ خمسين عاما، ولكنه “يُسوِّف” -أي يُؤخِّر- توبته، حيث قال في ذلك: “أُسَوِّفُ تَوْبَتِي خَمْسِينَ عَاماً وَظَنِّي أَنَّ مِثْلِي لاَ يَتُوبُ”.
وبسبب هذا التأجيل قالت العرب: (لا تُؤخِّر عمل اليوم إلى الغد)، ثم جاء عميد الكسالى العرب، وغيّر في هذا المثل، ليُصبح: (لا تُؤجِّل عمل اليوم إلى الغد، طالما تستطيع تأجيله إلى ما بعد الغد).
وإذا كانت النفس البشرية تُحب التأجيل بشكلٍ كبير وكثير، فإن النفس السعودية تُحب التأجيل؛ بشكل أكبر وأكثر وأوسع، وقد استَحْدَثَتْ أعذارا وأسبابا لهذا التأجيل.
ذات مرّة دعوتُ صديقا إلى منزلي –وأنا نادرا ما أفعل ذلك، لأنني مثل بعض الوعّاظ دائما معزوما-، وحين عزمته وافق، لكنه قال: (لنتركها إلى ما بعد رمضان).
وأتذكر أيضا أنني اتصلتُ بشخص اقْتَرَضَ منِّي مالاً، وحين طلبتُ منه إعادة المال، قال: (لا تخف على مالك، فسأُعيده إليك، ولكن بعد رمضان).
وهكذا لو طلبت من أحدهم؛ أن يذهب معك إلى القهوة؛ لتناول كوب من الشاي، لقال لك: (خليها بعد رمضان).
ونظرا لأن الحج حدث موسمي أشهر؛ وأقدم وأكبر من رمضان، فإن الناس تُحيل إليه القضايا الكبيرة، حيثُ يقول أحدهم –وكأنه يعرف بواطن الأمور-: (يا أحمد هناك تغيير وزاري في مِصر، ولكنه سيتم بعد الحج)، ثم يُضيف آخر: (هناك تغيير كبير في خانات لاعبي الاتحاد، ولكن بعد الحج)، وهكذا.
في النهاية أقول: يا قوم، تأمّلوا كلام الناس وفكّروا فيه، ستجدون أن الأعمال المُؤجَّلة أكثر من الأعمال المُنْجَزَة، وأغلب التأجيل يتّخذ من رمضان والحج ذرائع له، وبالمناسبة، فإنني سأكتب مقالاً ناريًّا عن المرأة، ولكن بعد الحج.