الموضوع هذا موضوع بارد لا يحمل أي مشاعر من أي نوع. لا يقصد به تطبيل ، ولا إرجاف ، ولا بيع ولا شراء. يهدف فقط إلى فتح أفق جديدة للقراء الكرام ، بحيث تكون هذه الأفق مرتكز بحث وتوسع للأخوه المستثمرين والمهتمين على حد سواء.
هذا الموضوع ، كأي موضوع رأي ، يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب ، ولكن لم أطرح هذا الموضوع إلا بعد وصولي لحد أدنى من القناعة أن معظم محتوى هذا الموضوع أقرب للصواب منه للخطأ. وعلى بركة الله نقول:
بدأ العام 2016 متسارعاً جداً بأحداث وتغيرات كبيرة قد توازي بحجمها أحداث نصف سنة أو حتى سنة كاملة من سنوات الرخاء من حيث الأحداث المؤثرة واجتماع العوامل غير الواضحة دولية واقليمية ومحلية. سأبدأ تحليلي هذا بالعوامل الخارجية ، وماذا تقول البيانات:
الولايات المتحدة الأمريكية:
استلم السيد باراك أوباما البيت الأبيض يوم 20 يناير من العام 2009 وأمريكا على شفا إنهيار إقتصادي حقيقي. وقتها كان الدين العام الأمريكي في مستوى 10.6 ترليون دولار مقارنة بإقتصاد يبلغ حجمه 14.4 ترليون دولار. بسبب الوضع الإقتصادي السيئ ، كانت خطة فريق أوباما تنشيط الإقتصاد بأداتين رئيسيتين: 1) تخفيض الضرائب على الطبقة المتوسطة (مما يعني تخفيض دخل الحكومة) ، 2) زيادة الإنفاق الحكومي على مشاريع جديدة للبنية التحتية وتمويلها عن طريق زيادة الدين العام (زيادة الصرف الحكومي).
وبالتوازي ، كانت خطة أوباما لإمتصاص الديون المسمومة (ديون التمويل العقاري) هي عبر برنامج Quantitative Easing وهو باختصار برنامج شراء البنك المركزي الأمريكي لديون التمويل العقاري (غير القابلة للاسترجاع) من البنوك بغرض حماية النظام المالي.
نتيجة لهذه السياسة التوسعية ، استطاع أوباما المحافظة على تماسك الإقتصاد الأمريكي مؤقتاً ، لكن لم يستطع حل المشكلة الأزلية للإقتصاد الأمريكي: توفير طرق نمو مستدامة للإقتصاد الأمريكي تسمح له تسديد ديونه واستمراريته.
هذه المقدمة المملة مهمة للوصول إلى مصادر الخطر (القنابل الموقوته) التالية في الإقتصاد الأمريكي:
1) الدين العام الأمريكي سيصل إلى 20 ترليون دولار في نهاية هذا العام لناتج محلي يبلغ 17.4 ترليون دولار ، وإذا ضعف الإقتصاد قلت مداخيل الدولة من الضرائب وبالتالي ستضطر للإقتراض لسد العجز وبالتالي سيزيد الدين العام وبالتالي ستزيد الفوائد المدفوعة على الديون القائمة وهكذا يدخل الإقتصاد في حلقة مفرغة لا نهاية واضحة لها.
2) الدين العقاري تبلغ قيمته 8.25 ترليون دولار ، وإذا ضعف الإقتصاد قلت قدرة المقترضين على الإلتزام بأقساط ديونهم ، وبالتالي ستزيد حالات الإفلاس وبالتالي سيزيد المعروض من المنازل من قبل البنوك المقرضة وبالتالي تنخفض قيمة العقارات بشكل عام مرة أخرى وبالتالي سيتأثر النظام المالي الأمريكي.
3) الديون الدراسية في أمريكا وصلت 1.2 ترليون دولار ، ولكن الوضع الإقتصادي لا يسمح لكثير من طلاب الجامعات بالحصول على وظائف بعد التخرج وبالتالي ستزيد نسبة التخلف عن السداد وبالتالي التأثير على النظام المالي الأمريكي.
4) ديون السيارات وصلت إلى 1.1 ترليون دولار ، وإذا ضعف الإقتصاد سيضعف الإلتزام بسداد الأقساط على الديون وبالتالي يتأثر النظام المالي ويقيد الإقراض مما يؤثر على النمو الإقتصادي.
5) ديون البطاقات الإئتمانية وصلت 730 مليار دولار ، أو ما معدله 16 ألف دولار لكل منزل أمريكي ، وتعثر المقترضين يعني ضعف الصرف وبالتالي ضعف النمو الإقتصادي والدخل الحكومي من الضرائب.
6) تبلغ قيمة البرامج الحكومية غير الممولة حوالي 70 ترليون دولار ، وتشمل برامج نظام الرعاية الصحية ، معاشات التقاعد ، البرامج العسكرية وخلافه. تعتبر قيمة هذه البرامج من أكبر عوامل التهديد للإقتصاد الأمريكي لعدم وجود طرق معقولة لتحقيق مداخيل متوقعة لتغطية هذه المصاريف في المستقبل المنظور.
7) احتمالية فوز دونالد ترمب بالرئاسة: على الرغم من توقع كثير من المحللين بعدم قدرة ترمب على الفوز بالبيت الأبيض بعد 8 أشهر في انتخابات 4 نوفمبر من هذا العام ، إلا أنه ليس من المستحيل أن يحدث ذلك. عدة عوامل سترفع من احتمالية زيادة عدد مؤيديه مثل حصول حوادث ارهابية أو احداث دولية تتطلب تدخل أمريكي عسكري قد يرفع من أسهم المحافظين (الصقور الجدد) ، وحيث أن ترمب بنى الحشد المؤيد له على شعارات وطنية وايديولوجية متطرفة ، يتوقع أن أحداث كبيرة في حال حصولها ستعطيه فرصة لزيادة نسبة تأييد أكبر لدى الشعب الأمريكي وبالتالي ارتفاع فرص فوزه بالبيت الأبيض على المرشحة الديموقراطية المحتملة هيلاري كلنتن والتي تتعرض لهجمات شرسة من مؤيدي ترمب ومؤيدي منافسها الديمقراطي الإشتراكي اليهودي برني ساندرز والمتوقع خسارته ترشيح الحزب الديموقراطي لصالح كلنتن.
8) الولايات المتحدة تمر الآن بفترة ركود اقتصادي مشابهه لفترة الركود التي مرت بها في العام 2008 ، ويعتقد كثير من المحللين أن هذا الركود هو مقدمة لكساد اقتصادي يفوق الكساد الذي مرت فيه أمريكا في عامي 2008-2009. وتقدر النسبة الحقيقية للبطالة في أمريكا حالياً بحدود 11% (عند اضافة عدد العاملين بالوظائف المؤقتة الذين ينتظرون فرص أفضل) ، وعند حدوث كساد ستزداد نسبة البطالة بشكل كبير مما سيضر بالإقتصاد الأمريكي بشكل كبير.
9) البنك المركزي الأمريكي لا يوجد لديه حلول إضافية لمواجهة أي مشاكل اقتصادية محتملة حيث استهلك جميع الحلول المتوفرة لديه ، وأي محاولة خارج الأدوات المعتادة ستكون تكلفتها الإقتصادية عالية جداً قد تسقط النظام المالي في أمريكا. ويتوقع أن يعكس البنك المركزي الأمريكي سياسة رفع الفائدة ويضع سعر فائدة أقل من الصفر (أي أخذ رسوم على الإيداعات في البنوك) بغرض تحفيز الإقراض وبالتالي النمو الإقتصادي.
بناءً على العوامل الأساسية أعلاه ، اجمع كثير من المحللين الإقتصاديين المعتبرين على أن الولايات المتحدة تمر بأوقات صعبة جداً بسبب الظروف الراهنة التي اجتمعت عليها من حيث الكم والحجم والتوقيت. يتوقع أن يبدأ تأثير هذه العوامل بالنصف الثاني من العام 2016 ، وتزداد تسارعاً وشدة كلما اقتربنا من نهاية العام ، وإذا عطست أمريكا كلنا سنصاب بالإنفلونزا.
الإتحاد الأوروبي:
الإتحاد الأوروبي يمر الآن بأصعب امتحاناته ، وبتهديدات كبيرة قد تؤثر على الإقتصاد العالمي وتجره إلى مشاكل يصعب الخروج منها. يختصر التهديد الأوروبي بعدم تماسك نظام اليورو لأسباب سياسية واقتصادية عديدة ليس هذا مكانها ولا زمانها.
يعتبر التصويت على خروج بريطانيا من منظمة اليورو (يعرف اختصاراً Brexit) يوم 23 يونيو من هذه السنة (بعد 3 أشهر و4 أيام من تاريخ هذا المقال) ، كأحد أكبر التهديدات التي تواجه الإقتصاد الأوروبي. يليه من حيث الشدة والتأثير والأهمية هو الإحتمال القائم لخروج البرتغال وايرلندا وايطاليا واليونان وأسبانيا من الإتحاد الأوروبي بسبب مستوى الديون غير المحتمل لدى هذه الدول (تعرف اختصارا PIIGS). وسقوط النظام الأوروبي سيجر معه النظام المالي الأمريكي ومن ورائه الصيني وقد نسبقهم جميعاً.
الوضع المحلي:
يعتبر انخفاض أسعار البترول محلياً هو مصدر تشكيل الوضع الإقتصادي لهذه السنة. بلغ متوسط أسعار البترول لسلة أوبك للثلاثة أشهر الأولى من العام 2016 حوالي 29 دولار. إذا افترضنا أن المملكة تنتج 10 مليون برميل يومياً تستهلك منه محلياً 3 مليون برميل وتصدر حوالي 7 مليون برميل يوميا ، يتوقع أن يبلغ دخل المملكة من البترول حوالي 70 مليار ريال (للمقارنة ، تبلغ فاتورة الرواتب الحكومية لأول 90 يوم فقط حوالي 112.5 مليار ريال).
المملكة على الأغلب ستلجأ للإقتراض. ولكن حتى لا تسحب السيولة النقدية من النظام المالي المحلي بشكل مفاجئ وكثيف ، ستلجأ على الأغب للإقتراض من البنوك الخارجية. هذا بدوره سيشكل المزيد من الضغط على مؤسسة النقد لتوفير دولارات إضافية حتى تستطيع المؤسسة المحافظة على ربط الدولار بالريال وعدم الإضطرار لتخفيض قيمة الريال مقابل الدولار. قد يمكن تحقيق ذلك جزئياً بتطبيق بعض السياسات المتعلقة بالتحويلات الخارجية وشراء الدولارات خصوصاً على الأجانب ، ولكن التأثير الأكبر سيكون من توفير كمية أكبر من العملة الصعبة لدعم الربط.
وبسبب انخفاض الإنفاق الرأسمالي الحكومي ، ستقل السيولة المتوفرة لدى البنوك وبالتالي سيقل مستوى الإقراض للشركات وكذلك للأفراد (قروض استهلاكية) مما سيقلل من توفر السيولة لدى الشركات والأفراد وبالتالي ضعف النمو الإقتصادي.
ونظراً للإنخفاض الشديد في أسعار الطاقة ، يتوقع أن يلحظ المستهلك انخفاض تدريجي ومتسارع لأسعار المواد الإستهلاكية. كما يتوقع أن تنخفض أسعار العقارات بشكل غير مسبوق ، ويشمل هذا الإنخفاض عقارات التملك والإيجار بسبب ضعف السيولة لدى المستهلكين وانخفاض قدرتهم على الحصول على قروض استهلاكية من البنوك. كما ستنخفض أسعار الكماليات بشكل كبير جداً بسبب ضعف الطلب عليها (السفر الخارجي ، الاكسسوارات ، ...الخ). كما سيلاحظ المستهلك خروج كثير من المتاجر الصغيرة والجديدة خصوصاً من السوق بسبب ضعف الطلب على منتجاتها وعدم قدرتها على الحصول على موارد مالية كافية تضمن لها الإستمرار في العمل ، وبالتالي ستكثر لوحات وإعلانات (للتقبيل لعدم التفرغ).
التأثير المحتمل على الشركات المطروحة بسوق الأسهم
سيختلف تأثير هذه العوامل على الشركات المطروحة بالسوق السعودي ، لكن جميعها ستتأثر بالعوامل المتعلقة بالإقراض وتوفر السيولة بقدر اعتمادها على القروض البنكية سواءً لتمويل المشاريع الرأسمالية أو حتى لرأس المال العامل.
كما ستتأثر قدرتها على طرح اكتتابات اضافية بغرض زيادة رأس المال إما لتمويل النمو أو لإطفاء الخسائر ، مما يزيد من احتمالية زيادة الأعلام الصفراء وتحول الأعلام الصفراء إلى حمراء وخروج ذوي الأعلام الحمراء من التداول بشكل ملحوظ.
كما سيلاحظ انخفاض مبيعات الشركات المعتمدة على الإنفاق الإستهلاكي خصوصاً في قطاع الأجهزة الإلكترونية والكماليات.
ويتوقع أن يحصل نمو غير متوقع في بعض شركات قطاعي التجزئة والأغذية وذلك لإنخفاض الصرف الإستهلاكي على المطاعم مرتفعة الثمن ، وتوجه المستهلك إلى المطاعم الرخيصة أو حتى للأكل المنزلي بغرض التوفير مما سيوفر فرص نمو لشركات التجزئة وتصنيع الأغذية.
كما يتوقع أن ينخفض دخل شركات الإتصالات بشكل ملحوظ ، بسبب انخفاض الطلب على الأجهزة الهاتفية الجديدة ، واتجاه المستهلك لباقات الإتصالات الأرخص بغرض خفض التكاليف.
وأخيراً ، يتوقع كثير من المحللين المطلعين أن ترتفع أسعار النفط في النصف الثاني من هذا العام بعد خروج كثير من الطاقات الإنتاجية الفائضة في أمريكا وكندا وكذلك عند اتفاق كبار المنتجين على سياسات انتاجية محفزة للأسعار. ولكن أي ارتفاعات محتملة لأسعار البترول ربما تخفض من التأثيرات المذكورة أعلاه ، لكن لن تلغيها بأي حال من الأحوال وذلك لأن الصعود المتوقع للأسعار على الأغلب سيكون تدريجياً وكلما تأخر كلما قل التأثير الإيجابي للإرتفاع ، وحتى الان انقضت 3 أشهر من العام 2016 من أصل 12 شهراً.