كنت في احد الايام اترزق الله على سيارتي التاكسي فتقدم نحوي رجل يظهر لي بإنه من دولة مصـر الشقيقـــة لحيته الكثيفة وشاربة المحلوق وكلماته الخليط بين العربية الفصحى والمصريـــة ( بكم هازا التاكسي ) يشير إلى أنه من جمـاعة الأخوان أقول ربمــا يكون منهم لا أعرف , أتفقت معه على أساس خمسون ريالاً وهذا يعني أنني سـوف أنتظر أخر ثم أخر وحين يصل العدد أربعــة سوف أغادر لا محالة , عند أحد ألأعمدة تقف إمرأة تنظر نحو الأرض للتو خرجت من صالة القدوم الرحلة النازلة كانت من مدينة أبها وهي مدينة تقع جنوب المملكة العربية السعودية يكسوها الجمال والطبيعة الخلابة في كل أوقاتها , بدت لي تلك المرأة أنها في خجلٍ شديد لا تكاد ترى من جسمها شي لا تعرف هل هي سمراء أم بيضاء عربية غير عربيـــة كيس أسود متكامل وقفتها تشيــر لرغبتها في الحصول على تاكسي تفاوض معها أخرون العادة حين يركب أحدنا بالنفــر نرســل نحوه من يرغب في الذهاب لمكة وفق نظــام ( النفـر ) أرسلوها لي تقدمت نحوي بخجل رهيب وبلكنـــة جنوبيــة صرفــة قالت أحتاج أروح لمكــة قلت لها أنا محمل بالنفــر والنفر بخمسين ريال , عادة أصحاب التكاسي وفي مثل هذه المواقف لا يشغل باله إلا الركـاب والتحرك ذلك لإن مكـة ومحيط الحرم بالتحديد يوم الجمعة سيزدحم مع قرب الساعة من الحادية عشر والنصف ظهراً , لم يشغل بالي سوى الركاب هي أو غيرها فلم يبقى لي إلا شخص واحد وكنت معزم أفرد لها المرتبة الأخيــرة إحتراماً لخصوصيتها , قالت بهدوء ما أقدر أدفع أكثر من عشــرة ريال وكان من حولي بعض الكدادة أو الخصوصي يسترقون السمع فقلت لها على الرحب والسعـة أوصلك مجاناً تفضلي أركبي , فزع الكدادة حين سمعو مجانية توصيلها ( نشامى ) , الحقيقة أحضرو لي تعويضاً عن مجانية تلك المرأة ما يقارب الست ركاب , أخذو يهتفون وينادون مكة مكة مكة ماشي يا حاج , كلهم تعاطفو مع وضع المرأة وأعجبهم حتماً حين علمت بإنها غير قادرة على دفع الملبغ أن قدمت لها العرض مجاناً كان من الضروري أن تركب وحيدةً معي في المقدمــة . في الطريق أخذ ذلك المصــري يلبي بصوتٍ جهوري ويدعو من معه بالتلبيـــة ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيــك إن الحمدى والنعمتــى لك والملك لا شريك لك ) أصبح الصوت يرتفع , لا أعرف شرعية هذا العمل ولكني طلبت منه أن يخفض صوته حتى أركز في الطريق وحين أدرت وجهي نحوه وكان يركب في المرتبة خلف المرأة شد بصري أنتفاضــة وإرتعاشــة ليد تلك المخلوقة الراكبــة بجواري لقد لاحظت أن يدها تتحرك بشكل آلي وبنمط واحد ومتكرر وأسمع منها همــساً ( سبحا ) ( سبحـا ) كأن الجملة تشيــر لـ( سبحان الله ) إلا أن حرف السين يكون مشدداً وتنقطع الكلمـــة عند حرف النون في هذه الأثنــاء أخذت بعض الاسئـلة تلح علي ومنها : كيف تكون هذه المرأة بهذا الإلتزام من ناحيـة الحجـاب وتسافر دون محرم هذا أمر عجيب ( أبها - جدة - مكة ) وصلنا بحمد الله وفضــله مشارف مكـــة , إول إشـارة تصادفنا في مكة المكرمــة هي إشـارة الستيــن الطريـق سالكــة والزحام خفيف جداً المكان المتفق عليه لنزول الركـاب هو أسفــل النفـــق بمحاذاة مدخل أبراج البيــت , نزل الجميــع عدا المرأة التي أخذت تتمتم بشكل عجيب ويديها تتحرك بشكل متسـارع , قلت لها هل ترغبين النزول هنـا أم لك هدف أخــر , صمتت لحظــات تحركت بالسيارة على أساس أنزلها بعد النفق فالمرور لا يسمح بالوقوف طويلاً تحت النفـق في البداية كنت أعتقد بإنها واقعة في ورطـة من نوع خاص , لا أخفيكم سراً قلت لعلها هاربة من زوجها , وكوني ضليع بمعالجة المشكلات النفسية والأسريـــة قلت لها وفي نفســي دعوة صادقة بإن يسهل علي الله تعالى معالجة مشكلة هذه المرأة مع أهلها أو زوجهــا , هل أنتي هاربة من زوجك , قالت لا قلت لها على أي حال إن كنتي في مشكلة فهروبك منها يزيدها تعقيداً أنصح أن تكوني منطقية فأنتي مسافرة وحيدة وأثناء شرحي سمعتها تقول بصـوت متحجرش متقطع ( البيت المقدس ) أبنزل عند البيت المقدس أنتـابني بعض الريبــة من كلمـاتها وطريقة لفظهـا وحركاتها , على الفور تحركت بالسيـارة أخر النفــق هناك فتحة لطريق يسمــى طريق أجيـاد خرجت منه أصبح الحرم المكي خلفي مبـاشرة تنظر نحوه وتقول ارجع للبيت المقدس أرجع للبيت المقدس , تحركت بسـرعة فقلت ( إن كنتي هامان فقد قابلتي فرعون ) وش عندك في البيت المقدس قالت دخون دخون , الصراحة الوضع مخيف جداً وليس بيدي حيــلة نحوها إلا أن أبعدها عن المسجد الـحرام فقد ظهرت كل العلامات على أنها ساحرة متمكنــة وليست بسيطـة أبداً , تحركت بسرعة التففت حول مكـة عدت للستيــن ( إثبــات أنها ساحرة أمر صعب فالبلاغ صعب أيضاً كذلك الوقت ليس في صالحي ) فالزحـام بدأ في التزايد أقول هذا حتى لا يتسأل أحد ويقول لماذا لم تبــلغ ؟ سألتها بشكل مبــاشر أنتي ساحرة , وش عندك هنــا أقول هذا وقد قدمت تطمينات رهيبه لها بإنها في آمــان وأنني أشــاطرها الإهتمام فخبرتي مع أحد السحرة كفيلة بمعرفة الخفايا , فقالت اربط قلت لها أن السيارة مراقبـة الأن وعليك النزول عند إشـارة الستيــن قالت لا وصلني للبيت المقدس تقوس في ظهرها يشير لتوترها وضيقها من بعدها عن المسجد الحرام , قلت لها تاكسي المطـار فيه نظام يحدد موقعه للمسؤولين بالمطـار هذا الجهاز مرتبط بالشرطــة أتوقع سوف تحضر الشرطة في غضون خمس إلى عشـر دقائق لتعرف أنك بخيـر ولتعيد التاكسي للمطـار , أقتنعت فنزلت بسرعة , توجهت نحو والدتي وبعد العصر رجعت لجدة وضعت التاكسي في المطـار وركبت سيارتي الخصوصي وذهبت للبيت في هدوءٍ كامل ليس هناك ما يشغل بالي أبداً عدا تلك اللعينة التي ركبت معــي هذا اليــوم , اليوم الثاني لمحت في السيارة علبة عطر غريبة قذفت بها في واحدة من تلك المزهريات التي تقف عند عمود كل قوس من الاقواس , مرت بعض الإيــام وفي مساء يومٍ كنت اقف جوار سيارتي قريباً من المزهرية التي قذفت فيها علبة العطر الغريبة فجأة ودون سـابق إنذار إمرأة تركب سيـارتي رغم أني في الربع الأول وليس الأخير من موقف التكاسي وتطلب أن أركب , أصبحت كالآلة مسلوب الإرادة ركبت تحركت بها الكل متعجب خرجت من الصالات توجهت نحو الدوار الأول ومن ثم سلكت الطريق الطويــل وفي الطريق هناك مفترق طرق أحدها كبري يحاذي اسواق تسمى مجمع العرب الهمني ربي ان اشغل السي دي لحظات قليلة ويصدح أدريس أبكر بصوته الذي يروقني جداً في تلاوة حجازية عذبـة كأنه ماء بارد سكب على وجهي اثناء نومٍ عميــق , نظرت نحو المرأة قلت لها وش تبين بالضبط قالت أنت حرمتني الأسبوع الي راح من إتمام عملي مما أضطرني للبقاء أسبـوع كامل , قالت هدي اعصابك تراني احبك , أعجبتني كلمـة أحبك سألتها من أي بلدٍ هي قالت من أثيوبيــا تعيش في أبهــا منذ عقدين من الزمــن تمتهن السحر ولها باع كبير فيه , طلبتني التواصل معها لإنهاء بعض أعمالها في جدة طبعاً أعطيتها رقم جوال لا أعرف كيف خرجت تلك الأرقــام التي سجلتها لها , تبسمــت وقدمت لي نفس علبة العطر الذي قذفت به في أحدى المزهريــات مما إضطرني لرفضه وعدم قبـولة . سحقاً لها من إمرأة ساحرة تعقد عند بيت الله الحرام في دلالة على أنها ساحرة فتــاكة , لا تقلق على لهب الجليد فلم أترك معها لي أثــر لا رائحـة ولا قماش ولا شعر ولا ورق ولا قلم , ذهبت حتى أخذت في التلاشي غابت مع النــاس وعدت للتاكسي لعمل يومٍ جديد وإشراقةُ جديدة .
الى اللقاء.