الحمد لله الذي جعل الصلاة راحة للمؤمنين، ومفزعاً للخائفين، ونوراً للمستوحشين، والصلاة والسلام على إمام المصلين المتهجدين، وسيد الراكعين والساجدين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:
فإن قيام الليل هو دأب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين، ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله، فنفوسهم قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات.
موعد مع الحبيـب تبارك وتعالي .../COLOR]
علامةُ المحبَّة حب لقاء الحبيب .. ويا حبذا لو كان اللقاء بعيدًا عن أعين الناس .. لمَّا صَفَتْ أوقات اللقاء نادى مؤذِّن المحبة في الخفاء: أقم فلانًا، وأنم فلانًا، فخرجت أسماء الفائزين؛ وقرت عيون المحبين ..
فماذا أفادك طول الرقاد ولذة السبات؟!
1) اكسُ وجهك النور .. لأن الجزاء من جنس العمل؛ فإنهم لما احتملوا ظلمة الليل جازاهم الله بأن نوَّر وجوههم.
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: "إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجهه نورًا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحبُ هذا الرجل".
2) زيادة رزقك .. فقد قرن الله بين الصلاة وبين زيادة الرزق في قوله تعالى {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]
3) كُن من المتعرِّضين للنفحات الإلهية .. وقت نزول الربِّ عزَّ وجلَّ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟! من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟!
4) أعظم ثواب بأقل جهد .. فعن عبد الله بن عمرو
بن العاص قال: قال رسول الله : "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين"
[رواه أبو داود وصححه الألباني]
وفي الحديث "والقنطار خير من الدنيا وما فيها"
[رواه الطبراني وحسنه الألباني]
5) امحُ سيئاتك واحفظ نفسك من الوقوع في الآثـــام .. قال "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات"[صحيح الجامع 4079)]
نــور قرآنــي
قال تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16]
قال ابن كثير في تفسيره: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة"
ولذا جاء في صفة أهل الجنة .. {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (*) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17,18]
قال الحسن البصري: "كابدوا الليل، ومدّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار".
الرسـول صلى الله عليه وسلم قدوتنــا
كان يطيل القيام .. عن ابن مسعود قال: صليت مع النبي ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأَدَعَهُ! [صحيح مسلم]
قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على اختيار النبي تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قويًا محافظًا على الاقتداء بالنبي، وما همَّ بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده"
وكان رسول الله لا يدع القيام مهما اشتد به المرض
أو شغلته الظروف .. قالت عائشة لعبد الله بن أبي قيس: "لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا"[رواه أبو داوود وصححه الألباني]
وعلمنا النبي أن القيام لون من ألوان شكر النعمة .. فعن عائشة ، قالت: كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلت له: تصنع هذا يا رسول الله، وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟" [متفق عليه] .. دلالة على أن الشكر
لا يكون باللسان فحسب، وإنما يكون بالقلب واللسان والجوارح، وقد كان النبي القدوة العليا والنموذج الأكمل فقام النبي بحق العبودية لله والشكر له على وجهه الأكمل وصورتها الأتم.
وكان يوقظ من يحب للقيام .. عن الحسن بن علي بن أبي طالب أن أباه أخبره: أن رسول الله طرقه وفاطمة بنت النبي ليلة، فقال: "ألا تصليان؟"، فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلىَّ شيئًا، ثم سمعته يقول وهو مولٍّ، يضرب فخذه وهو يقول: {.. وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54]. [رواه النسائي وصححه الألباني]
قال الطبري معلقًا: لولا علم النبي من عظم الصلاة في الليل، ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكنًا، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالاً لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]
من درر الأقــوال
اكسر قيودك .. قيل للحسن البصري: أعجزنا قيام الليل. قال: قيدتكم خطاياكم، إنما يأذن الملوك للخلو بهم ومخاطبتهم لمن يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك.
من المحروم؟! .. قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك.
قسمة بالسوية!! .. قال أبو عثمان النهدي: تضيّفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا.
أنيروا القبور قبيل الوصول!! .. قال أبو الدرداء: صلوا ركعتين في ظلمة الليل؛ لظلمة القبور.
أفضل القربات .. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، ما أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من الأعمال؟ .. قال: ما أعلم شيئًا يتقرب به المتقربون إلى الله أفضل من قيام العبد في جوف الليل إلى الصلاة.
وغابت شمس القيـــام
فعصى الناس ربهم في أشرف أوقات العام بركة وربحًا، وهجروه بعد أن مد يد المعونة إليهم،
وأداروا ظهورهم لثواب خالقه وهم أحوج ما يكونون إليه!!