حب الوطن غريزة فطرية في كل من ينتمي إليه، ومدلوله عميق من كونه الأرض التي تؤوينا، والسقف الذي يحمينا، نولد على ثراه ونترعرع في رباه وننشأ على خيراته، نشرب من مائه، ونتنفس هواءه، ونحيا بين أهله، على تربته تبدأ خطواتنا الأولى، وفي بيئته تتشكل معارفنا ومداركنا وتتبلور ملامح شخصياتنا وهوياتنا، تربطنا به منذ النشأة الأولى علاقة مصيرية وحب تبادلي نما مع نموه وتحول إلى غريزة مستوطنة في الوجدان تدفعنا دوما إلى الحنين إليه والغيرة عليه والتضحية في سبيله، حتى أضحت قضية الدفاع عن الوطن في طليعة الواجبات الدينية والأخلاقية، التي تحتم علينا أن نحمل أدوات البناء والتشييد وأن ننشد الخير والسلام والأمن له، وأن نموت في سبيله شهادة وخلودا في سجله التاريخي.
وطني لحبك في العظام دبيبُ
وبك الأحبة والزمان يطيبُ
وقلوبنا بك لن تفارق ها
وحنينها أبدا إليك عجيبُ
ومع أن حب الوطن فطرة لدى كل من ينتمي له إلا أن هناك من لا يعرف معناه ولا يعمل بمقتضاه فخبر إلقاء القبض على عدد من «الخونة» المنتسبين لنا والمتورطين في عملية جمع معلومات تجسسية لمصلحة إحدى الدول لا يجب أن يؤثر علينا، ففي كل الدول تجد شرذمة أغواهم الشيطان وعمى بصائرهم الحقد والحسد فباعوا وطنهم وترابه وأهلهم وأمنهم للشياطين وأعوانه. إن خيانة الوطن جريمة، وعار لا يغفره التاريخ، لا يقدم عليه إلا دنيء الأخلاق، خسيس الطبع لا وفاء له ولا عهد..
إن من أعظم وأخطر الخيانات ما تقوم به بعض الجماعات من أبناء الوطن من أصحاب النفوس المريضة المغرر بهم ممن لبوا نداء الشيطان وأعمى بصيرتهم الحقد وختم على قلوبهم المكر والضغينة ممن ارتهنوا للخارج بالتحريض والإغراء واستغلالهم في مخططات العدو ومؤامراته وفتنه ودسائسه حتى ارتضت العمالة ضد وطنها ومصالح أمتها وضد أبنائها وأهلها وعشيرتها.
إن خيانة الوطن تجارة خاسرة، ووزرٌ لا يغتفر، وجريمة لا تضاهيها جريمة، من يقدم عليها يستحق أقسى العقوبات، ممن يعينون العدو على العبث بمقدرات البلد وترويع أهلها، فالتجسس على أسرار الوطن وخيانته أشد فتكاً وأقسى ضرراً في تدمير الوطن وتمزيقه وثرواته ومكتسباته من مكر الأعداء الظاهرين.
وبالطبع فإن هؤلاء المرتهنين لقوى خارجية توجههم وتسخرهم للإساءة إلى وطنهم والإضرار به، وتجعلهم يقومون بأعمالهم التجسسية لحساب مشاريع وأجندات لجهات أخرى لا تريد الخير لوطننا وأمتنا، يقومون بتوجيه طعنات مؤلمة في خاصرة الوطن بأيديهم الملوثة بالخطر وإشعال الفتن الطائفية وتمزيق المجتمع وإغراقه في الفوضى وعدم الاستقرار.
وإن كان البعض من هؤلاء الانتهازيين والعملاء قد فضحتهم أعمالهم غير الوطنية فلا أستبعد أن يكون البعض الآخر ممن يقفون إلى جانب العدو الذي يريد الإساءة للوطن لا يزال حاضراً في أوساطنا يتشكل ويتلون مع طبيعة الواقع الاجتماعي الذي يعمل فيه ووفق مقتضيات المرحلة، يساهمون في بث الإشاعات المغرضة التي تضعف الوطن ويسيئون إلى سمعته ومكانته. إن التجسس نوع من الخيانة وهناك خيانات أخرى للوطن فالبحث عن الشهرة على حساب الوطن واستقراره خيانة، والمتاجرة بأمنه وزعزعته خيانة، وإثارة الفتن خيانة، وتأجيج الناس على الدولة قولا أو فعلا خيانة. ونحن على ثقة بأن أعمالهم لن تمر دون عقاب وستطولهم أيدي العدالة مهما استمروا في غيهم وظلالهم، وستظل تلاحقهم حتى أوكارهم ومصيرهم إلى زوال وخسران بإذن الله.
إن من العار التنكر لجميل هذا الوطن وأن يقدم الفرد على خيانة وطنه الذي ترعرع فيه، ونال من خيراته، واستفاد من إمكاناته، فيفشي سر حاضره ومستقبله ولكننا نثق كثيراً بقدرة أجهزتنا الأمنية في إسقاط مخططاتهم ونشد على أيديهم لزيادة الحذر واليقظة والانتباه لما يحيكه الأعداء من الخارج والداخل ضد وطننا الغالي. ويتطلب منا الولاء لهذا الوطن والوفاء له وأن تتضافر جهودنا ونقف صفاً واحداً وفي خندق واحد لمواجهة بائعي الأوطان والمطالبين باختلاف الكلمة وزعزعة الوحدة المنشدين للغوغائية والتصدي لمخططاتهم وفضح بضاعتهم الكاسدة.
هل جزاء الوطن الغالي تنكر وحقد، وكراهة وخيانة وعمالة، أهكذا توفى الأوطان حقها.. أرض الولادة والنشأة، وعهد الصبا والشباب.. الوطن الذي منحنا كل شيء على ثراه الغالي خيراً ورخاءً، وأمناً واستقراراً.. أهكذا نبيعه بثمن بخس للعابثين والمفسدين.
إن هيبة الوطن وأمنه خطان أحمران، السيف يفصل فيهما فهل يعي المتربصون بأمنه، والمرجفون ممن يبيعون عقولهم لمراجع الزيغ والفساد والضلال، إن هذه البلاد محروسة بالحق، ومنتصرة بالله، «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين».