بداية يعرف "المرض الهولندي" بأنه تلك الحالة الاقتصادية التي تنشأ عند حدوث طفرة مالية في بلد ما بسبب اكتشاف الموارد الطبيعية في أراضيه. المرض الهولندي أو ما يطلق عليه "لعنة الموارد" هو مجموعة الاثار السلبية التي تؤثر في بناء اقتصاد صحي ونقصد هنا الاقتصاد المبني على الخطط الإستراتيجية الواضحة لإدارة هذه الثروة.
ولعل المفارقة لتشخيص هذا المرض هو السؤال اللذي يتبادرالى الذهن لماذا الزيادة الكبيرة في الثروة تحمل دائماً مع سو الادارة المثلى للموارد نتائج عكسية وربما تجر ويلات على الاقتصاد في الدول المنتجة للنفط. كيف يحدث هذا؟ لو أخذنا مثلاً على اي بلد يعتمد على مورد وحيد في اقتصاده مثل النفط، سنلاحظ الزيادة في نسبة الصناعات الخدمية المصاحبة لاستخراج النفط وانحسار كبير لدور "الصناعات التحويلية " مع العلم ان هذا النوع من الصناعة هو اللذي يسهم في العملية التنموية وذلك عن طريق تصنيع المواد الأولية بما يضمن تحقيق القيمة المضافة للاقتصاد. اضافة الى تشغيل القوة العاملة المحلية وتقليل معدلات البطالة وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية امام مثيلاتها المستوردة.
ان من الخصائص البارزة لهذا المرض هو الاعتماد على اليد العاملة الاجنبية وارتفاع أسعار السلع وضعف الميزة التنافسية للصناعات الوطنية. وهذا المناخ الاقتصادي الغير صحي يشجع على استيراد السلع الاساسية نظراً لتدني قيمتها امام مثيلاتها المنتجة محليا. ومن ذلك تنشا أمراض اقتصادية متعددة تحت مظلة المرض الهولندي من تعطيل لقوى الانتاج، وعدم الاستغلال الكفء للموارد المتاحة بشكل اقتصادي ، وسيطرة الاقتصاد الريعي من حيث الاعتماد على مورد وحيد مثل النفط.
و جديربالذكر ان دول الخليج بصفة خاصة هي من اكثر البلدان المعرضة لمثل هذا الخطر كونها تعتمد بصورة رئيسية على النفط كمصدر أساسي للدخل القومي وعلى الرغم من ان نصيب الفرد من الناتج المحلي 20.7 الف دولار في عدد سكان يبلغ 42.1 مليون نسمة الى ان النظرة المستقبلية لتعداد السكان في هذه الدول تؤكد ان العدد سيتضاعف بشكل يؤثر سلبياً اذا ما استمرت دول الخليج بالتركيز على النفط دون النظر الى تنويع الأنشطة الاقتصادية و التركيز على اللامركزية في استراتيجيات التنمية الشاملة بشكل يستكشف الطبيعة الاقتصادية لكل منطقة و تفعيل ذلك عبر خطط استراتيجية ودعم حكومي للقطاعات الحكومية بما يتناسب و حاجات المنطقة وتعزيز مشاركة اطراف المصلحة مثل المجتمع المحلي ودعم المبادرات الشباب و المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر وضع البنى التحتية والأطر التشريعية والتسهيلات الادارية الحكومية لنجاح و ديمومة هذه المبادرات.
إن المرض الهولندي درس قاس تعلمت منه دول العالم المتقدمة ان تكون واعية وحذرة في ادارة الثروات ووضع السياسات اللتي تاخذ في عين الاعتبار جميع السيناريوهات المحتملة لإدارة التغييرات الطارئة في الانتاج الامثل للموارد. اضف الى ذلك اتخاذ الخطوات ذات البعد الاستراتيجي لتنويع الصادرات و الحد من الاعتماد على القطاع النفطي مما سيجنب الاقتصاد الصدمات الخارجية مع تذبذب اسعار الطاقة عالمياً. يمكن لصناع القرار الاطلاع على تجارب الدول اللتي أنهكها المرض الهولندي والاستفادة بشكل عملي من الدول التي شخصت المرض وتعافت منه في مرحلة مبكرة مثل النرويج. إن الاقتصاد الناجح هو الأقدر على التكيف مع الظروف من ناحية وفرة او قلة الموارد الطبيعية وان الممارسة الادارية الشفافة والتشريعات لها الأثر الكبير في عزل هذا المرض عن اقتصاديات الدول النفطية بصفة عامة و دول الخليج بصفة خاصة، ونحن في دول الخليج امام خيارات مصيرية وهي اما السماح لانتشار نمط المجتمع الاستهلاكي والتخلي عن ثقافة الانتاج والعمل وتوجيه عوائد بيع النفط الى قطاعات الخدمات الاستهلاكية لا الإنتاجية. او نهج طريق الادارة الحكيمة المبنية على الخيارات الاستراتيجية التي تسعى لتحقيق النمو في الاقتصاد و تجنب المسار اللذي ينهك الموارد الطبيعية ولا ويقدم اي قيمة مضافة للاقتصاد. كذلك نحن بحاجة ملحة الى التعلم من هذه الدروس و التجارب ويجب ان نتذكر دائما مسؤليتنا امام الأجيال القادمة والتي يجب ان نقدم لهم مستقبلاً مزدهراً عبر التفكير المستقبلي و التخطيط الاستراتيجي المبني على رؤى مستقبلية ومن اجل ذلك علينا دعم البحث العلمي والأخذ برأي الخبراء في التخطيط الاستراتيجي والمستقبلي ولعلنا نشير ان من ضمن منهجيات الدراسات الاستراتيجية ما يسمى بالسيناريوهات المستقبلية،وعليه من حقنا ان نطرح تساؤلاً مستقبلياً في ختام هذا المقال: ماذا لو استمر الاعتماد على البترول ثم نضب أو خسر مكانته مستقبلا امام بدائل الطاقة المتعددة، هل نحن مستعدين لمثل هذا الوضع؟